طـ.ـو فان نـِـ.ـتنـ ـياهو: الحرب على غـ.ـ ـزة كمدخل استراتيجي لإعادة ترتيب الصراع مع إيران✍️الدكتور فارس  فهد – باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي

طـ.ـو فان نـِـ.ـتنـ ـياهو: الحرب على غـ.ـ ـزة كمدخل استراتيجي لإعادة ترتيب الصراع مع إيران✍️الدكتور فارس  فهد – باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي



السابع من أكتوبر كنقطة زلزالية إقليمية
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 حدثًا أمنيًا معزولًا في سياق الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ولا يمكن اختزاله في كونه هجومًا مفاجئًا أربك المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية فحسب. بل شكّل هذا التاريخ نقطة زلزالية إقليمية أعادت تحريك توازنات راكدة، وكشفت هشاشة منظومات الردع القائمة، وفتحت الباب أمام إعادة هندسة شاملة للصراع في الشرق الأوسط، تتجاوز غزة وساحتها المباشرة إلى الإقليم بأسره. ففي لحظة بدت فيها إسرائيل غارقة في أزماتها الداخلية، من انقسام سياسي حاد إلى تآكل ثقة بالمؤسسة الحاكمة، جاء الحدث ليمنح حكومة بنيامين نتنياهو فرصة نادرة لإعادة توحيد الداخل الإسرائيلي تحت منطق “الحرب الوجودية”، وإعادة تعريف طبيعة التهديدات على أن الدولة الإقليمية المركزية التي يُنظر إليها باعتبارها مصدر الخطر البنيوي وهي إيران.
منذ الساعات الأولى التي تلت السابع من أكتوبر، اتّضح أن الرد الإسرائيلي لن يُدار بوصفه عملية عسكرية محدودة الأهداف، بل كحرب مفتوحة متعددة المستويات، تتجاوز منطق الردع التقليدي إلى منطق إعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. وفي هذا السياق، تحولت غزة إلى ساحة مركزية، لا لكونها الهدف النهائي، بل لأنها تشكّل المدخل الأكثر قابلية للتوظيف العسكري والسياسي والإعلامي، في إطار مشروع أوسع يعيد رسم خطوط الاشتباك الإقليمي.


تقوم الفرضية الأساسية لهذا المقال على أن الحرب على غزة ليست غاية في ذاتها، بل أداة ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة تموضع الصراع مع إيران، سواء عبر استنزاف شبكة حلفائها الإقليميين، أو عبر اختبار حدود تدخلها، أو من خلال تهيئة المسرح الإقليمي والدولي لمواجهة محتملة، مباشرة أو غير مباشرة في المستقبل القريب. وبهذا المعنى، فإن ما يمكن تسميته بـ«طوفان نتنياهو» لا ينحصر في العمليات العسكرية، بل يتجسد في توظيف الحرب كأداة لإعادة تعريف التهديد، وإعادة شرعنة العنف، وإعادة هندسة الأولويات الاستراتيجية.


انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل المسار الذي بدأ في السابع من أكتوبر، بوصفه لحظة انعطاف إقليمية، من خلال تفكيك كيفية انتقال إسرائيل من إدارة أزمة أمنية حادة إلى بناء سردية استراتيجية تستهدف إيران بوصفها التهديد المركزي، واستشراف السيناريوهات المحتملة لكيفية التعامل معها في المدى القريب، في ظل توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

من “طوفان الأقصى” إلى “طوفان نتنياهو”: توظيف الحدث وبناء المشروع الاستراتيجي
لم يُقابل السابع من أكتوبر داخل إسرائيل بوصفه إخفاقًا أمنيًا فحسب، بل بوصفه لحظة كاشفة استُثمرت سريعًا في إعادة صياغة الخطاب السياسي والأمني. فبدل الانكفاء الدفاعي أو الانشغال الفوري بتحديد المسؤوليات، اتجهت القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، إلى تحويل الصدمة إلى رافعة استراتيجية، أعادت من خلالها تعريف طبيعة الصراع وحدود الرد المقبول.


في هذا السياق، جرى الانتقال من توصيف الحدث كـ«هجوم إرهابي واسع» إلى إدراجه ضمن إطار «حرب وجودية» طويلة الأمد، تُبرّر توسيع نطاق العمليات العسكرية، وتعليق النقاش الداخلي حول الفشل الاستخباراتي، وإعادة توحيد مجتمع منقسم خلف قيادة سياسية كانت تعاني من أزمة شرعية غير مسبوقة. هذا التحول الخطابي لم يكن تفصيلاً ثانويًا، بل شكّل الأساس الذي بُني عليه ما يمكن تسميته بـ«طوفان نتنياهو».


أحد العناصر المركزية في هذا التحول تمثّل في إدارة الفشل بدل محاسبته. فالتجربة الإسرائيلية، كما تُظهرها محطات تاريخية سابقة، تكشف أن الإخفاقات الأمنية الكبرى لا تؤدي بالضرورة إلى انكفاء استراتيجي، بل كثيرًا ما تُستخدم كمنطلق لإعادة تعريف التهديد وتوسيع هامش استخدام القوة. وعليه، فإن السؤال لم يعد محصورًا في كيفية وقوع الفشل، بل في كيفية توظيفه سياسيًا وأمنيًا لإعادة تشكيل بيئة الصراع. ضمن هذا الإطار، تحولت غزة إلى الساحة الأكثر قابلية لهذا التوظيف. فهي تمثل هدفًا عسكريًا يمكن السيطرة عليه نسبيًا، وساحة قادرة على إنتاج صورة نصر جزئي، وأداة فعالة لإعادة تثبيت معادلة الردع، دون الانزلاق المباشر إلى مواجهة إقليمية شاملة. إلا أن هذا التركيز على غزة لا يعني، في القراءة الاستراتيجية، أنها الهدف النهائي، بل إنها تشكّل المرحلة الأولى في مسار تصاعدي أوسع.
لقد أتاح السابع من أكتوبر لنتنياهو إعادة طرح سردية أمنية تقوم على أن التهديد الحقيقي لا ينبع من الفاعلين كحماس أو حزب الله بحد ذاتهم، بل من البيئة الإقليمية التي تحتضنهم وتوفّر لهم الدعم السياسي والعسكري. وبهذا المعنى، بدأ يتبلور خطاب أمني جديد يُعيد وضع إيران في قلب معادلة الصراع، ليس كطرف غير مباشر فحسب، بل كتهديد بنيوي يستدعي إعادة تنظيم المواجهة على المدى المتوسط والبعيد.


من هنا، يمكن فهم «طوفان نتنياهو» كمشروع استراتيجي يسعى إلى إعادة هندسة الصراع الإقليمي، عبر استنزاف الساحات الثانوية، وضبط إيقاع التصعيد، وبناء شرعية داخلية وخارجية تمهّد لمراحل لاحقة يكون فيها التعامل مع إيران أكثر مباشرة وفق الظروف والتوازنات.
إدارة الحرب وتعدد الجبهات: لبنان بين الاستعداد المسبق ولحظة التفعيل
يُظهر المسار العملياتي والسياسي للحرب بعد السابع من أكتوبر أن الجبهة اللبنانية لم تكن ارتجالًا فرضته تطورات لاحقة، ولا نتيجة مباشرة لما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، بل بدت، في كثير من أبعادها، جبهة مُهيّأة سلفًا ضمن الحسابات الإسرائيلية، تنتظر لحظة سياسية وأمنية مواتية لتفعيلها أو توسيعها. فمنذ سنوات، تحتل الجبهة الشمالية موقعًا مركزيًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب القدرات العسكرية المتنامية لحزب الله، بل لأن هذه الجبهة تُجسّد، في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي، الترجمة الأكثر خطورة لتداخل المحلي بالإقليمي. حزب الله لا يُنظر إليه كفاعل لبناني محض، بل كحلقة أساسية في شبكة إقليمية أوسع، ما يجعل أي مواجهة معه ذات أبعاد تتجاوز الحدود اللبنانية. في هذا السياق، تشير معطيات متعددة، عسكرية وتنظيمية، إلى أن الاستعداد لمواجهة واسعة مع حزب الله سبق السابع من أكتوبر. فقد شهدت السنوات الأخيرة تكثيفًا ملحوظًا في التدريبات العسكرية الإسرائيلية الخاصة بحرب الشمال، تحديث العقيدة القتالية المتعلقة بالقتال في بيئة صاروخية كثيفة وتعزيز التنسيق بين المستويات العسكرية والسياسية بشأن سيناريوهات الحرب متعددة الجبهات. هذه المؤشرات لا تعني أن قرار الحرب كان حتميًا أو وشيكًا، لكنها تدل على أن خيار المواجهة كان حاضرًا كإمكانية استراتيجية قائمة، تنتظر الظرف الذي يسمح بتقليل كلفتها السياسية والدولية، وتعظيم مكاسبها الردعية. جاء السابع من أكتوبر ليُشكّل هذا الظرف. فالحرب على غزة، بما حملته من صدمة إقليمية وتحوّل في المزاج الدولي، وفّرت لإسرائيل إطارًا مناسبًا لإعادة تفعيل الجبهة الشمالية ضمن سردية «الدفاع عن النفس» ومنع توسّع التهديد. وفي هذا الإطار، لم يكن الانخراط المحدود لحزب الله في ما سُمّي بحرب الإسناد عاملًا مفاجئًا بقدر ما كان الشرارة التي سمحت بتفعيل مسار مُعدّ سلفًا. غير أن إدارة هذه الجبهة اتسمت بدرجة عالية من الضبط. فإسرائيل، رغم امتلاكها القدرة العسكرية على توسيع المواجهة، اختارت حتى الآن إبقاء الاشتباك ضمن سقوف محسوبة، بما ينسجم مع منطق إدارة التصعيد لا تفجيره. ويعكس هذا السلوك إدراكًا واضحًا لحساسية الجبهة اللبنانية، وما يمكن أن يترتب على انفلاتها من تداعيات إقليمية أوسع، لا سيما في ما يتصل بإيران.
بهذا المعنى، تبدو الجبهة اللبنانية ساحة اختبار مزدوجة:
اختبار لقدرة حزب الله على ضبط إيقاع المواجهة، واختبار لحدود الردع المتبادل، وفي الوقت نفسه رسالة غير مباشرة إلى إيران بشأن كلفة الانخراط المباشر أو غير المباشر في الصراع. فلبنان في هذه القراءة لا يُختزل كساحة مستقلة، بل كحلقة متقدمة في معادلة أوسع تهدف إلى إعادة رسم حدود الاشتباك مع المحور الذي تقوده طهران. إن التركيز الإسرائيلي على الجبهة الشمالية، قبل وبعد السابع من أكتوبر، لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا المنطق. فالحرب على غزة وفّرت الغطاء السياسي، والجبهة اللبنانية وفّرت المختبر العملياتي، بينما بقي الهدف الاستراتيجي الأبعد متمثلًا في اختبار تماسك شبكة الردع الإقليمية التي تُعدّ إيران عمودها الفقري.
سوريا في قلب الحسابات: الحلقة غير المستقرة في إعادة هندسة الصراع
لا يمكن فهم إدارة الحرب وتحديد سقوفها، سواء على الجبهة اللبنانية أو في الإقليم الأوسع، من دون التوقف عند الساحة السورية بوصفها العقدة البنيوية الأكثر هشاشة في شبكة التوازنات المرتبطة بإيران. فسوريا، منذ سنوات، لم تعد تشكّل ساحة مواجهة تقليدية، بقدر ما تحوّلت إلى مساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية، تُدار فيها الصراعات بالوكالة، وتُختبر فيها حدود النفوذ والقدرة على الضبط. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت التطورات السورية جزءًا من مسار مُعدّ سلفًا لإعادة ترتيب موازين القوى، أو على الأقل نتيجة متوقعة ضمن حسابات استنزاف طويلة الأمد. فإضعاف الدولة السورية، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، شكّل على الدوام أحد المسارات غير المباشرة للضغط على إيران، نظرًا للدور المركزي الذي تؤديه دمشق في تأمين العمق الاستراتيجي لمحور حلفائها، ولا سيما حزب الله. غير أن ما يلفت الانتباه في المرحلة التي تلت السابع من أكتوبر هو التباين بين إدارة الجبهة اللبنانية وضبطها، وبين استمرار الضربات الإسرائيلية في العمق السوري. هذا التباين يوحي بأن الساحة السورية كانت تُدار وفق منطق مختلف، يقوم على إضعاف تراكمي لا يستدعي بالضرورة انفجارًا عسكريًا شاملًا.


من هنا، يمكن افتراض أن الانهيار السريع أو المتسارع للنظام السوري، إن صحّ توصيفه بهذا الشكل، لم يكن بالضرورة ضمن التقديرات الدقيقة لجميع الأطراف. فالفوضى غير المنضبطة في سوريا لا تخدم بالضرورة الحسابات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل مواجهة مفتوحة أو محتملة على الجبهة الشمالية. إذ إن غياب سلطة مركزية قادرة على الضبط لا يسهّل إدارة الحرب، بل يوسّع هامش عدم اليقين، ويخلق مساحات غير قابلة للتحكّم قد تُفضي إلى تصعيد إقليمي غير مرغوب فيه.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة قرار وقف إطلاق النار أو ضبط التصعيد في لبنان ليس بوصفه تراجعًا، بل كإعادة تموضع فرضتها تغيرات غير محسوبة بالكامل في البيئة الإقليمية، وعلى رأسها الساحة السورية. فلو كانت مآلات الوضع في دمشق أكثر وضوحًا أو أكثر قابلية للإدارة، لما كان نتنياهو اوقف الحرب على لبنان. وعليه، لا تبدو سوريا مجرّد ساحة ثانوية في «طوفان نتنياهو»، بل تمثّل المتغير غير المستقر الذي قيّد سرعة الانتقال من إدارة حرب متعددة الجبهات إلى حسم استراتيجي أوسع. وهو ما يعكس، في نهاية المطاف، حدود القدرة على التحكم بمسارات التفكيك الإقليمي، حتى عندما تكون بعض عناصره مُعدّة أو متوقعة.


اختبار إيران: من الاستدراج التدريجي إلى كسر عتبة الردع
لم تقتصر إدارة الصراع بعد السابع من أكتوبر على ضبط الجبهات أو تفعيلها وفق مقتضيات اللحظة، بل اتخذت منحى أكثر تعقيدًا تمثّل في اختبار الخصم المركزي بصورة تدريجية ومنهجية. وكما اعتمدت إسرائيل، تاريخيًا، سياسة الاستدراج المتدرّج في تعاملها مع حزب الله على الجبهة اللبنانية، يبدو أنها سعت إلى تطبيق منطق مشابه في مقاربتها تجاه إيران، ولكن بأدوات مختلفة وبسقوف محسوبة بعناية. فمنذ سنوات، شكّلت الساحة السورية مختبرًا عمليًا لهذا النوع من الاختبارات. فالضربات المتكررة التي استهدفت خبراء إيرانيين، وقادة ميدانيين، ومخازن سلاح، لم تكن مجرد عمليات تكتيكية معزولة، بل جزءًا من مسار تراكمي هدفه قياس حدود الرد الإيراني، وأنماط اتخاذ القرار، وسرعة الانتقال من الرد غير المباشر إلى المواجهة العلنية. وقد أتاح هذا المسار لإسرائيل بناء صورة أكثر دقة عن آليات الضبط الذاتي داخل النظام الإيراني. بلغ هذا الاختبار مستوى أكثر حساسية مع استهداف مواقع ذات طابع رسمي أو رمزي، من بينها مقار دبلوماسية أو شخصيات بارزة، في سياق بدا وكأنه يهدف إلى دفع إيران نحو كسر أحد الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي هذا الإطار، لم تكن ردود الفعل الإيرانية، سواء في طبيعتها أو توقيتها، بعيدة عن أعين صانعي القرار في تل أبيب وواشنطن، بل جرى التعامل معها كمادة تحليلية أساسية.


تُعدّ عمليتا «وعد صادق 1» و«وعد صادق 2» محطتين مركزيتين في هذا المسار. فرغم ما حملتاه من دلالات رمزية على استعداد إيران للرد المباشر، إلا أن طبيعة الرد، من حيث الضبط والرسائل المحسوبة وتجنّب إيقاع خسائر استراتيجية كبرى، عززت الانطباع بأن طهران لا تزال تفضّل إدارة الصراع ضمن سقوف محددة، وتسعى إلى تفادي الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تهدد بنية النظام ذاته. في القراءة الإسرائيلية–الأميركية، شكّل هذا النمط من الرد مؤشرًا مزدوجًا: من جهة، يؤكد امتلاك إيران القدرة على الرد؛ ومن جهة أخرى، يكشف عن حدود هذا الرد حين يُقاس بكلفة التصعيد الشامل. ومن هنا، يمكن القول إن هذه الاختبارات المتتالية أسهمت في بناء قناعة مفادها أن عتبة الردع الإيرانية، رغم صلابتها الخطابية، قابلة للاختراق في ظروف معينة.


ضمن هذا السياق، يبرز ما يمكن توصيفه بـ«حرب الاثني عشر يومًا» كمرحلة انتقالية في التفكير الاستراتيجي، حيث لم تُقرأ بوصفها مواجهة مستقلة بقدر ما كانت نتيجة تراكمية لمسار طويل من الاختبار والاستدراج. فهذه الحرب لم تكن لتقع لولا قناعة مسبقة بأن البيئة الإقليمية، وردود الفعل المتوقعة ومستوى الضبط الإيراني، تسمح بخوض مغامرة محسوبة الكلفة.
الاستشراف الاستراتيجي: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة مع إيران
انطلاقًا من المسار التراكمي للأحداث منذ السابع من أكتوبر، ومن نمط التفاعل الأميركي–الإسرائيلي مع الساحات الإقليمية، يمكن افتراض أن التعامل مع إيران لم يعد محكومًا بمنطق الاحتواء طويل الأمد فقط، بل بات مطروحًا ضمن سلة خيارات أوسع، تتراوح بين التفكيك غير المباشر والمواجهة المباشرة. وفي هذا السياق، يبرز لقاءات القيادة السياسية العليا، ولا سيما بين واشنطن وتل أبيب، كإطار تنسيقي لإعادة تعريف الهدف النهائي، حتى وإن ظلّ هذا الهدف غير مُعلن رسميًا.


ضمن هذا الإطار، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيران في المدى المنظور، تختلف في أدواتها، لكنها تلتقي في سعيها إلى إخراج إيران من معادلة القوة الإقليمية.
السيناريو الأول: التفكك الداخلي عبر صراع ممتد
يفترض هذا السيناريو أن الرهان الأساسي لا يقوم على إسقاط سريع للنظام، بل على إدخال إيران في مسار تفكك داخلي طويل الأمد. فالنظام الإيراني، بخلاف حالات عربية أخرى، لا يُتوقع أن ينهار بانهيار مركزي مفاجئ، نظرًا لتماسكه المؤسسي النسبي، وتشابك أجهزته الأمنية، وقدرته على تعبئة شرائح اجتماعية واسعة في لحظات التهديد الداخلي والخارجي.
بناءً عليه، يُرجَّح في هذا السيناريو أن يتم استثمار التوترات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية، بحيث تتحول الاحتجاجات المتقطعة وأعمال العنف المحدودة إلى صراع داخلي متعدد المستويات، يأخذ طابعًا أهليًا تدريجيًا. مثل هذا المسار لا يهدف إلى تحقيق نصر سريع، بل إلى استنزاف الدولة وتفكيك قدرتها على الضبط، وإغراقها في دوامة فوضى قد تمتد لعقد أو أكثر، على نحو يُشبه نماذج تفكك شهدتها دول أخرى.
في هذا السيناريو، لا تُهزم إيران عسكريًا بقدر ما تُهزم وظيفيًا، أي تُستنزف قدراتها إلى الحد الذي يخرجها من أي دور إقليمي مؤثر، حتى وإن استمر شكل الدولة قائمًا اسميًا.
السيناريو الثاني: إسقاط وظيفي للنظام عبر تحالف دولي واسع
يقوم السيناريو الثاني على مقاربة مختلفة، تتجاوز منطق التفكك البطيء، وتستند إلى تحالف دولي أو شبه دولي يتعامل مع النظام الإيراني بوصفه كيانًا فقد شرعيته الوظيفية، حتى قبل سقوطه الفعلي. في هذا الإطار، لا يُشترط تحقيق انهيار داخلي شامل، بل يكفي شلّ مراكز القرار السياسية والعسكرية والإعلامية إلى الحد الذي يُفقد النظام قدرته على الحكم والإدارة.
في مثل هذا السيناريو، يُعاد إنتاج نموذج تدخل دولي كثيف، لا يهدف بالضرورة إلى احتلال مباشر، بل إلى إعادة تشكيل السلطة من الخارج عبر دعم إطار سياسي بديل يُقدَّم بوصفه سلطة انتقالية. ويُفهم هذا الطرح ضمن نقاشات أوسع حول إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لإيران، سواء عبر اللامركزية القسرية أو التفكيك إلى كيانات أصغر، بما يضمن تحييدها استراتيجيًا على المدى الطويل.
غير أن هذا السيناريو لا يخلو من مخاطر كبرى، أبرزها ردود الفعل الإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وهو ما يفسّر الاهتمام الأميركي بالسيطرة على النفط الفنزويلي وتقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط كشرط مسبق لتحمّل كلفة هذا الخيار.
السيناريو الثالث: المبادرة الإيرانية وكسر منطق الضربة الأولى
على النقيض من السيناريوهين السابقين، يفترض السيناريو الثالث أن تختار إيران المبادرة بدل الانتظار، عبر الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، بما يفرض معادلة جديدة على الخصوم. في هذا المسار، لا يُفهم التصعيد بوصفه خيارًا هجوميًا صرفًا، بل كمحاولة لكسر منطق الضربة القاصمة التي يُفترض أن تُفقد النظام توازنه منذ اللحظة الأولى.
ميزة هذا السيناريو، من وجهة نظر إيرانية، أنه ينقل الصراع من مربع التفكيك البطيء أو الإسقاط المُدار إلى مواجهة مفتوحة ذات كلفة عالية للجميع، ما قد يرفع منسوب الردع ويُعيد فرض معادلات تفاوض جديدة. غير أن مخاطره تبقى كبيرة، إذ قد يؤدي إلى هزيمة قاسية، لكنه، بخلاف السيناريوهين الأولين، لا يحسم مسبقًا مصير النظام.
تُظهر السيناريوهات الثلاثة أن مستقبل إيران لا يُحسم فقط بميزان القوة العسكرية، بل بطبيعة المسار الذي تُدفع إليه المواجهة. ففي حين يُفضي التفكك الداخلي أو الإسقاط الوظيفي إلى إخراج إيران نهائيًا من المعادلة الإقليمية، يظل خيار المبادرة، رغم مخاطره، هو المسار الوحيد الذي لا يجعل الخسارة حتمية. وبهذا المعنى، لا يكمن السؤال المركزي في ما إذا كانت المواجهة ستقع، بل في أي شكل ستأخذه، ومن سيحدد توقيتها وشروطها.
خاتمة: إيران في عين العاصفة الاستراتيجية
لقد أظهرت الأحداث منذ السابع من أكتوبر أن البيئة الإقليمية لم تعد تحتكم فقط إلى وقائع المواجهة المباشرة، بل أصبحت ساحة اختبار مستمر لاستراتيجيات القوى الكبرى، حيث تُختبر موازين الردع، وتُدرس حدود القرار، وتُرسم خرائط التفكيك أو إعادة البناء السياسي بعناية فائقة. فالتحولات في غزة، وضبط الجبهة اللبنانية، وتعقيدات الساحة السورية، كل ذلك شكّل جزءًا من منظومة متكاملة لإعادة ترتيب الصراع الإقليمي، مع إيران كهدف استراتيجي محوري، وليس مجرد مكون ثانوي.
لقد تبين أن إسرائيل، بالتعاون مع واشنطن، استخدمت أسلوب الاستدراج التدريجي والاختبار المنهجي، بدءًا من الضربات المحدودة في سوريا، مرورًا بقياس ردود الفعل الإيرانية في إطار عمليتي «وعد صادق»، وصولًا إلى إدارة مواجهة محدودة على الجبهة اللبنانية، في ما يمكن وصفه بمرحلة تجريبية لتحديد سقوف الردع الإيراني. هذا المنهج يوضح أن الصراع لم يكن عرضيًا أو ارتجاليًا، بل أنه نتاج تراكم استراتيجي طويل الأمد، يستهدف تفكيك الشبكة الإقليمية لإيران، أو على الأقل اختبار قدرتها على الصمود والتكيف.في ضوء هذا التحليل، يمكن استشراف ثلاثة مسارات: تفكك داخلي طويل الأمد عبر استثمار الاحتجاجات والصراعات الداخلية، إسقاط وظيفي للنظام عبر تحالف دولي أو شبه دولي، يعطل المؤسسات القيادية ويؤسس لمرحلة انتقالية، أو المبادرة الإيرانية المباشرة، والتي قد ترفع منسوب الردع وتعيد معادلة القوة، وتترك مصير النظام غير محسوم، مما يجعل المواجهة مستمرة ضمن حدود عالية المخاطر.
في جميع هذه السيناريوهات، يتضح أن إيران ليست مجرد طرف في النزاع، بل متغير مركزي تتشابك معه حسابات الأمن الإقليمي والدولي. إن قدرة النظام على الصمود، أو الانزلاق إلى فوضى داخلية، لن تحدد فقط مستقبله الداخلي، بل ستعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي الإقليمي بالكامل، من موازين القوة في الخليج إلى أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية.
وبالتالي، يبقى التحدي الأكبر في فهم هذه المرحلة ليس مجرد تحديد موعد أو شكل المواجهة، بل في قراءة السيناريوهات الممكنة ضمن منطق استراتيجي مرن، يوازن بين القوة، الردع، إدارة الفوضى، وحماية مصالح الحلفاء والفاعلين الدوليين. فالمعركة القادمة، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة، ستعكس قدرة صانعي القرار على تحويل صدمة الحدث إلى أداة لإعادة ترتيب الاستراتيجيات الإقليمية.

مقالات ذات صله

اعلى الموقع