
غلبت بصمة الاتجاه اللاعقلاني على السياسة الأميركية – الإسرائيلية منذ عقدين، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر. ومن الواضح أن الكيان الصهيوني اليوم، إلى جانب اتجاهات وازنة في الولايات المتحدة، لا يزال ملتزماً أيديولوجيات صراعية وعنصرية وخلاصية، تُغلِّب منطق الصدام والمطلقات والمعادلات الصفرية، حتى إن بعضها يرى في الفوضى نظاماً.
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يتوقّف النقاش حول موقعه وتصنيفه، وما إذا كان يمثّل خروجاً على «الدولة العميقة». واستقرّ الرأي لدى كثيرين على أنه رجل أعمال يميل إلى المغامرة، ويحرّكه الحدس أكثر مما تحرّكه الدراسات وتقارير المؤسسات، التي طالما أبدى حذره منها، بل وأضمر الرغبة في مواجهتها. فهو مستعدّ للمقامرة إذا لاح أمامه ما يراه فرصةً لترسيخ صورته بوصفه شخصية استثنائية وإشباع نزعته النرجسية. وفي المقابل، لا يتردّد في التراجع السريع إذا شعر بأن الكلفة باتت مرتفعة، على نحو يشبه المؤسسات التجارية التي تعلن إفلاسها حفاظاً على بقائها. باختصار، يمكن القول إن ترامب تاجر في مقاربته للسياسة؛ أولوياته داخلية، ويعيش هاجس إثبات فرادته، لكنه، رغم كل تناقضاته، شديد الحساسية لتحوّلات المجتمع الأميركي ومزاجه. وهو يدرك أن الشارع الأميركي يشهد تحوّلات عميقة، وأن الشعبوية إذا أخفقت فلن يتردّد الأميركيون في البحث عن عنوان آخر. وقد كشفت الحرب على إيران عمق أزمة الذات الأميركية، وعدم استقرار هويتها، وما يعتريها من سيولة.
لقد سرّع فشل أهداف الحرب الأميركية – الصهيونية على جبهة المقاومة، وانعكاساته الاستراتيجية البعيدة على مستقبل طرفي الصراع، في توقيع مذكّرة التفاهم والمضي في تنفيذ بنودها. ولم يرق هذا التوقيع للاتجاه اللاعقلاني، الذي لن يهدأ في سعيه إلى تخريبه. وبالنسبة إلى ترامب، أصبحت الكلفة مضاعفة، فيما بدت العوائد شبه معدومة، الأمر الذي فرض التوقّف، وربما إعادة النظر في مجمل المقاربة الأميركية التاريخية تجاه إيران والمنطقة.
في المقابل، لم يكن الاتجاه العقلاني يريد المواجهة العسكرية المباشرة أصلاً، بل كان يحذّر من مخاطرها على مستقبل الهيمنة الأميركية والأُحادية الدولية، ويفضّل سياسة الاحتواء. لذلك نلاحظ أنه، رغم تحفّظات بعض رموزه على أسلوب إدارة المفاوضات الجارية مع إيران، فإنه يعتبر التفاوض ضرورة لا غنى عنها، وخياراً حاسماً لإعادة ترميم السياسة الأميركية في المنطقة، وإعادة توجيهها عالمياً بعد الاختلال الذي أصابها.
أمّا اللاعقلانيون، فيرفضون الاعتراف بالواقع الجديد، ويرون في التفاوض فرصة تمنح خصمهم، أي إيران، مجالاً لتعزيز نفوذها وقطبيتها، ونيل اعتراف دولي بها قوةً كبرى تتفاعل مع التحوّلات الدولية وتطرح نفسها شريكاً في الاستقرار. وهذا، في نظرهم، يضرب سرديتهم التاريخية التي تصوّر إيران بوصفها قوة «مُخرِّبة».
وهم يرون أيضاً في انتصار إيران وجبهة المقاومة عودةً للدين بوصفه مشروعاً نهضوياً تحرّرياً إلى المسرح العالمي، وينظرون إلى الإسلام بعداء راسخ، ولا يحتملون أن يكون الإسلام أحد العوامل التي أسهمت في كسر شوكتهم وتقويض سلطانهم.
بين العقلانية واللاعقلانية، يبدو أن الواقع يفرض منطقه. فمن أبرز نتائج المرحلة أن جبهة المقاومة أثبتت أنها من النوع الذي لا يُهزم بسهولة، وأن القوة المادية، مهما بلغت، تبقى محدودة في نهاية المطاف، بل إن العيش في وهم القوة أشد خطراً على صاحبها من عدم امتلاكها. كما أن سياسة «السلام بالقوة» لا تجد لها مكاناً لا في منطقتنا ولا في العالم، لأن الشعوب، ولا سيما شعوب المقاومة، لا يمكن إخضاعها بالردع والتهديد وحدهما. ولا مفر من الاعتراف بأن العجز الأميركي الحقيقي يكمن، أولاً، في قصوره عن قراءة خصائص المرحلة التاريخية، وفهم لغتها ومتطلّباتها.
يحاول العقلانيون تثبيت هذا التفاهم وقطع الطريق على معارضيه، الذين يعتقدون أن الإدارة الأميركية ذاهبة إلى ما هو أبعد من مجرد الاعتراف بإيران ودورها، وصولاً إلى التعايش معها وربما الانفتاح عليها. ويعتري هؤلاء قلقٌ شديد من الوقوع، بحسب تصوّرهم، في فخ «افتراض إمكان احتواء إيران والفصل بين الدولة والثورة»، لأنهم يرون أن الصراع مع إيران الإسلامية صراع وجودي ومصيري. لذلك ينظرون إلى الشهرين المقبلين باعتبارهما فرصة حاسمة لإفشال هذا المسار، أو لإنتاج استراتيجيات صراعية جديدة، قبل أن يتكيّف العالم مع نتائج هذا التحوّل، وما يحمله من فرص كبرى، وقبل أن يؤسّس لمسارات وإدراكات جديدة إقليمياً ودولياً.
ويعوّل هؤلاء على أن الأسباب الجوهرية للحرب لا تزال قائمة؛ فإيران، بوصفها دولة إسلامية صاعدة، وما تمتلكه من مقدّرات، ولا سيما برنامجها النووي، وصواريخها البعيدة المدى، وتحالفاتها الإقليمية، كلها، في رأيهم، لم يعالجها التفاهم الأخير.
ويعزّز هذا التصوّر المأزق الذي تعانيه إسرائيل. فللمرة الأولى تبدو مظاهر الانسداد والانهيار الاستراتيجي واضحة إلى هذا الحد. فقد اهتزّت غالبية ركائز أمنها الاستراتيجي، القديمة منها والمستجدّة بعد السابع من تشرين الأول، وأصبح الادّعاء بأنها قادرة على ضمان أمنها بنفسها أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع. وهي اليوم تقف أمام خيارات جميعها مرّ، فيما تتكشف تبعيتها وفقدانها استقلال قرارها، بالتزامن مع انزياح مجتمعها نحو اليمين في مشهد غير مسبوق.
وتطرح إسرائيل اليوم سؤالاً وجودياً: كيف تحوّلت إيران، بعد أربعة عقود من استراتيجيات إسقاطها ومحاصرتها، إلى قوة إقليمية وقطب صاعد، رغم تعرّضها لحرب أميركية – إسرائيلية شاملة استُخدمت فيها مستويات غير مسبوقة من القوة؟ وكيف سيكون المشهد في المستقبل إذا ترسّخت نتائج التفاهم، وما سيحمله من تغيّرات تصب في مصلحة جبهة المقاومة والقوى الدولية المُنافِسة للولايات المتحدة؟
تعيش إسرائيل حالة من الإحباط والحسرة. فقد ضاعت منها، في تقديرها، فرصة تاريخية، بل انتهت المواجهة بنتائج سلبية ومُقلِقة زادت من أزماتها. لقد خاض تحالفها المقدّس حرباً امتدت ثلاثة أعوام، من دون أسقف أو محرّمات أو قيود، لكن الحصيلة لم تتجاوز إنجازات تكتيكية، كالاغتيالات وإضعاف بعض القدرات العسكرية واللوجستية، وهي إنجازات يمكن تعويضها خلال أشهر. كما أنها أهدرت فرصة المسار السلمي الذي عرضه العرب عليها في مرحلة سابقة، واغترّت بتفوّقها العسكري، لكنها لم تحسم الحروب، فوجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي متفاقم.
أمّا عقيدة «المنع» التي تبنّتها أخيراً، فقد اصطدمت بوقائع الإقليم ومصالح دوله، لأن تطبيقها يفترض إمّا الاحتلال المباشر، أو إضفاء شرعية على استهداف دائم لبنى الدول في المنطقة، بما يعني تكريس الفوضى. وهذه الفوضى ليست في مصلحة شعوب المنطقة ولا أنظمتها، كما أنها ليست في مصلحة الولايات المتحدة التي تسعى، في نهاية المطاف، إلى الاستثمار في الاستقرار لا في الانهيار الدائم.
لذلك تبدو المرحلة الحالية بالغة الحساسية. فإسرائيل، ومعها تيار اللاعقلانية في الغرب، لن يسعيا فقط إلى إفشال التفاهم ومنع تحويله إلى اتفاق دولي عبر مجلس الأمن خلال الفترة القريبة، إن استطاعا، بل سيعملان أيضاً على إعادة تشكيل السياسة والقرار داخل دول الهيمنة، انطلاقاً من قناعة بأن أسباب الانفجار التي قادت إلى الحرب لا تزال قائمة. وقد يدفعهما ذلك إلى نسف مسار التفاوض، أو إلى افتعال تهديدات جديدة في ساحات أخرى، كمصر وتركيا وسوريا، وربما نقل الصراع إلى ميادين إضافية. ولعل قرار الكونغرس بتقييد صلاحيات الرئيس الأميركي في شن حرب على إيران يمثّل محاولة استباقية، ولو كانت رمزية، للحد من اندفاعة هذا الاتجاه.
وفي كلتا الحالتين، يتعيّن على جبهة المقاومة العمل على إنتاج خطاب عالمي يرسّخ صورة إسرائيل بوصفها كياناً مارقاً ينفرد برفض الاستقرار والقانون الدولي، ويسعى إلى تكريس الفوضى وتهديد الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة. كما يتعيّن عليها نقل خبرتها وتجربتها إلى الدول المُرشّحة للتعرّض لتهديدات مماثلة، والاستعداد، فكرياً وعملياً، للحظة حاسمة قد تفرضها تحوّلات دولية متسارعة في بيئة شديدة السيولة. فمن يُرِدْ سلاماً حقيقياً في هذا العالم فعليه أن يواصل بناء عناصر القوة، وألّا يستسلم لنشوة أي انتصار، مهما بدا كبيراً في لحظته.
