
قبل البدء ، انا معتقدٌ يقينًا أن المحور لم يقاتل لحد الآن منذ يوم الطوفان ، وكل ما فعله هو الصمود ومحاولة دفع الضرر بالحد الأدنى من الخسائر ، ( صدمة الجميع وشعورهم بالضعف هو لهذا السبب ) ، ومعتقدٌ تمامًا أن حلف الناتو قد مُنَيَ بهزيمة ساحقة في حرب السنتين ، لا بمعنى أنه تدمّر ، بل بمعنى أنه فشل في تحقيق أي هدفٍ من اهدافه مع انه لم يُواجَه الا بالصمود (هنا الخسارة أكبر لأنك خسرت من جهة لم تقاتلك حتى ) ، وجازمٌ أنه لن يشنّ حربًا جديدة ، لا في لبنان ولا في ايران ولا في اليمن ، لا اليوم ولا بعد شهر ولا بعد سنة ( اسرائيل طُحِنَت في حرب ال ١٢ يومًا ) وأن الحرب القادمة بين المحور والغرب (في المنطقة) لن تكون الا بقرار من المحور ( ابتداءًا من اليوم الى ما شاء الله ) .
( راجع مقال نشرته بتاريخ ١٧-١٢-٢٠٢٥ ، بعنوان قراءة غير شعبوية في حروب النقاط )
مقال اليوم يشرّح أسباب القرار بعدم القتال :
في عام ٢٠١٩ بدأ الغرب الاستعماري يُدرك الحقيقة المُرّة ، أن سلطته المطلقة على العالم لم تعد قابلة للاستمرار ، وأن منظومته للنهب الدولي تنهار تحت وطأة أزمات بنيوية متعدّدة ، لقد انكشفت حدود القوة الغربية أمام تصاعد القوى البديلة ، وعلى رأسها الصين ، التي راحت تقدّم نموذجًا اقتصاديًا وسياسيًا مختلفًا يُغري شعوب الجنوب العالمي ويقلق نخب الشمال .
أمام هذا التحوّل الجذري في موازين القوى العالمية ، وجد الغرب نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما :
إما التسليم بانتهاء زمن الهيمنة والانكماش التدريجي نحو الداخل ، أو خوض حرب شاملة لتأجيل السقوط ، حتى لو كلّف الأمر إشعال الكوكب بأسره ، وقد اختار الغرب القتال.
مع بداية عام ٢٠٢٠ ، انطلقت أولى ضربات هذه الحرب بشكل غير تقليدي ، فجأة اجتاح العالم فيروس غامض خرج من الصين ، لكنه سرعان ما تحوّل إلى جائحة كونية .
لقد كانت حربًا بيولوجية تستهدف ضرب العمود الفقري للقوى الصاعدة، أي الصين ، لكن المفاجأة كانت في أن الصين لم تنهَر ، بل واجهت الوباء بحرفية عالية ، حاصرته داخليًا ، وأبقت اقتصادها نابضًا ، في حين غرق الغرب في أزماته الصحية والاقتصادية والاجتماعية .
هنا فشل الغرب في أول اختبار استراتيجي ، وتحوّلت أداة هجومه إلى سلاح مرتدّ .
بعد هذا الفشل ، أدرك صانعو القرار في واشنطن ولندن أن لا مفرّ من الحرب العسكرية الشاملة ، لكنهم لم يكونوا قادرين على ضرب الصين مباشرةً ، إذ تقف خلفها وتحيط بها قوتان لا يمكن تجاهلهما ، روسيا من جهة ، وإيران بمحورها من جهة أخرى ، فكانت الخطة ضرب الحلفاء للاستفراد بها لاحقًا .
هكذا بدأت في عام ٢٠٢٢ الحرب المفتوحة في أوكرانيا ، بهدف استنزاف روسيا وتحويلها إلى جبهة مشتعلة دائمًا ، استطاع الغرب أن يورّط موسكو في مستنقع دموي واقتصادي ، آملًا أن يُضعفها بما يكفي لتخرج من معادلة الصين الكبرى ، وقد وقع الروس في الفخ ، مدفوعين بأطماع بوتين في استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي ، فذهب بقدميه إلى المستنقع .
ثم في عام ٢٠٢٣ ، جاء دور إيران ، وكان لا بدّ من حدث خارج الحسابات ، تم تمرير معلومات استخباراتية مضلّلة إلى حركة حماس فوقعت في الفخ وقامت بالهجوم الكبير منفردةً لخوفها من ضياع الفرصة ، وأُصدر أمر داخلي للجيش الإسرائيلي بالسكون ، نام الجيش الإسرائيلي ست ساعات حين وقع زلزال “طوفان الأقصى”.
لكن المفاجأة مجددًا لم تكن في الهجوم ، بل في الردّ ! لم تقع إيران في الفخ ، فكان التريّث هو الموقف ، واستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع ليخرج السيد حسن بموقفه الأول ، مخالفًا كل التوقّعات ، حذرًا في نبرته ، حاسبًا لكل كلمة يقولها : لن يخوض المحور حربًا شاملة .
استمرت الحرب شهورًا ، والمحور بأكمله منحنٍ للعاصفة ، لم يقاتل ، لم يستخدم أسلحته الكبرى ، لم يفعّل معادلة واحدة من تلك التي أعلنها لسنوات ، كان هدفه فقط إيقاف الحرب على غزة ، ثم توالت الضربات القاسية في لبنان ، سوريا ، اليمن ، وختامًا في العمق الإيراني ، لكن المحور بقي على موقف واحد : دعوا العاصفة تمرّ بأقل خسائر ممكنة ، فهذه ليست معركتنا .
من يريد أن يشارك الولايات المتحدة في حكم العالم ، فليقاتلها بنفسه ، أما نحن فقد قاتلنا أميركا منفردين حين كانت في ذروة صعودها وتفرّدها ، قاتلناها في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن لسنوات طويلة ، وأفشلنا مشاريعها الكبرى ، يوم كانت روسيا غائبة ، والصين منشغلة بالبناء الصامت ، بل لولا هذا الانشغال الأميركي الطويل في المستنقع الذي أغرقناها فيه ، لما وجدت الصين الفرصة لتنمو وتتحوّل إلى التهديد الاستراتيجي الأكبر للنظام العالمي الغربي.
أمّا الآن ، وقد استُنزفت روسيا ، وحيّدت إيران نفسها ، بات الغرب أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة الصدام المباشر مع الصين . ( لن يخوض الجيش الامريكي معركةً ابدًا مع غير الصين )
أما محورنا فلقد فهم منذ البداية أن هذه ليست معركته ، لأن الهزيمة الكاملة لأميركا في العالم لم تكن هدفًا لنا منذ بداياتنا ، وقتالها في صراعها على وجودها ثمنه سيكون باهظًا ، وخسائره غير قابلة للتعويض .
ولأجل ماذا ؟ أن تشارك الصين في حكم العالم !
وأيضًا لا جدوى من دفع خسائر هائلة لقتال امبراطورية آفلة ، تترنّح وعلى وشك السقوط ، ثم فليحضر لي أحدكم امبراطورية واحدة في التاريخ الانساني كله سقطت بالضربة القاضية ، قبل ان يطلب من المحور القتال الشامل ، إنّ الامبراطوريات الكبرى لا تسقط الا بتراكم الخسائر ، معركة بعد معركة ، وبالانقسامات الداخلية والضعف الاقتصادي .
هذا المحور له هدف واضح ومحدد :
إزالة الكيان المصطنع , وطرد الولايات المتحدة من منطقتنا فقط ، وليس الدخول في صراع على قيادة النظام العالمي .
