عن البيجر وغيرها، ليس مطلوبًا الصمت… بل الصدقٌ المحسوب

عن البيجر وغيرها، ليس مطلوبًا الصمت… بل الصدقٌ المحسوب



لا تمرّ الأحداث الجسيمة من دون حاجة إلى خاتمة، ولا يُسمح لها أن تُدار كمسلسل مفتوح بلا نهاية؛ فالواقعة التي لا تُقفل ضمن مسار واضح لا تبقى مجرد حادثة، بل تتحول إلى جرح مفتوح قابل للنزف مع كل معلومة جديدة أو قراءة متسرعة. إن المجتمع الخارج من صدمة كبرى لا يحتاج فقط إلى معرفة ما جرى، بل إلى ضمانة أكيدة بأن الحقيقة لن تتحول إلى فوضى سردية تبدد ما تبقى من ثقة وقدرة على الاحتمال.

التوصيف الحقوقي وعبء المسؤولية
في قضية “البايجر”، لم يكن التوصيف الحقوقي لما جرى تفصيلاً عابراً، حيث تعاملت المنظمات الدولية مع الحادثة بوصفها انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة والسلامة الشخصية، مما رفع القضية منذ لحظتها الأولى إلى مستوى خطير لا يحتمل التبسيط، ويستوجب مساراً صارماً وقابلاً للمساءلة. غير أن ما تلا هذا التوصيف لم يكن على مستواه؛ فبدل أن يشكل الإطار الحقوقي نقطة انطلاق لإدارة مسؤولة، تزامن داخلياً مع انفجار في الكلام وتسابق محموم على المعلومة، ولو كانت ناقصة أو غير متحققة، وهنا يكمن الخطر؛ فالمجتمع الذي يُقال له إن ما جرى انتهاك جسيم لا يمكن تركه فريسة لسيل من الروايات غير المكتملة.

في فخ المعلومات المجتزأة
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في المطالبة بالحقيقة، بل في طريقة تفكيكها وبثها؛ فعندما تُرمى المعلومات الجزئية في الفضاء العام بلا سياق، فإنها لا تنتج وعياً بل توقعات، ومع كل توقع يتشكل حكم مسبق يقوض أي تحقيق قبل أن يبدأ. عند هذه النقطة، لا يعود التسريب مجرد خلل مهني، بل يتحول إلى قوة ضغط تُرغم العدالة على العمل داخل مناخ مشحون ومسيس بدل أن تعمل داخل منطق الأدلة. وقد تجلى هذا بوضوح في الساعات التي تلت الانفجارات في لبنان، حيث تدفقت روايات تقنية وأمنية قُدمت كحقائق مكتملة، مما أسس لإطارات تفسيرية متنافسة يصعب تفكيكها لاحقاً عند صدور النتائج الرسمية.

مسؤولية الإعلامي الأقرب
في القضايا الحساسة، لا يُقاس أثر الفعل الإعلامي بحجمه بل بتوقيته ووظيفته، والكلام الذي يسبق اكتمال الأدلة يحدد شكل الفراغ الذي ستُقرأ فيه النتائج لاحقاً. والمفارقة أن جزءاً كبيراً من هذا الخلل يصدر عن إعلاميين وفاعلين قريبين من مسرح الحدث يمتلكون صدقية عالية، مما يمنح كلامهم ثقلاً مضاعفاً ويفرض عليهم مسؤولية أكبر؛ فالمعلومة الصادرة من موقع قريب لا تُقرأ كتحليل بل كإشارة، والتلميح لا يُستقبل كسؤال بل كاستنتاج. وعندما يُساء استخدام هذا الموقع، يتحول الإعلام من وسيط للتهدئة إلى عامل يراكم الشك ويطيل أمد الجرح.

خلط الأدوار وضياع الحقيقة
يبرز الإشكال الأكبر في الخلط المتكرر بين أدوار التحقيق والتحليل والتعليق، حيث تُقدم الفرضيات الأولية كخلاصات نهائية وتُستخدم المصطلحات التحقيقية خارج سياقها المنهجي. هذا السلوك لا يربك الجمهور فحسب، بل يضيّق هامش عمل التحقيق نفسه ويدفعه لمواجهة سرديات جاهزة. إن العجز عن التمييز بين ما هو ثابت وما هو قيد التحقق يحوّل الصحافة من سلطة رقابية إلى جزء من المشكلة، ويؤكد أن الاستعجال في الكلام لا يسرّع الوصول إلى الحقيقة، بل يؤجلها ويعطل التعافي الذي لا يتحقق بتراكم الوقائع المتضاربة، بل بوضوح المسار.

الخاتمة كشرط أساسي للتعافي
هذا ليس دعوة إلى الصمت، فحق المعرفة ثابت، لكنه يفقد معناه عندما يُمارس بلا مسؤولية، فالإغراق بالمعلومات لا يساوي الشفافية. في بيئة هشّة كبيئتنا، يرفع كل تشويش إضافي كلفة “إغلاق الملف”، وحين تطول فترة “اللاخاتمة”، يتحول الملف من مسألة مساءلة إلى عامل إنهاك عام يُستنزف فيه الوعي والذاكرة. إن الرهان الحقيقي في ملف “البايجر” هو القدرة على حماية شروط الخاتمة التي تقول بوضوح ما الذي حصل وما الذي يمنع التكرار، وبدون ذلك، سيبقى المجتمع عالقاً بين الروايات، ويُترك الجرح مفتوحاً باسم المعرفة، فالخاتمة ليست ترفاً بل هي شرط التعافي الأول.

مقالات ذات صله

اعلى الموقع