
لم يمض يومين على دخول اتفاق وقف اطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ حتى شرعت سلطات الاحتلال الى الاعلان عن بدء عملية عسكرية واسعة في منطقة جنين شمال الضفة الغربية أطلقت عليها اسم الجدار الحديدي تهدف الى القضاء على المقاومة وتدمير بنيتها التحتية ، وقد بداتها قوات العدو مساء يوم ٢١/ ١ باقتحام مدينة جنين ومخيمها وسط غطاء ناري غير مسبوق مستخدمة المروحيات والمسيرات مخلفة اكثر من عشرة شهداء واكثر من ٤٠ جريحا ، وقد تستمر هذه العملية عدة اشهر بحسب زعم العدو للقضاء على بنية المقاومة.
وتأتي هذه العملية بعد حملة امنية واسعة نفذتها اجهزة امن السلطة الفلسطينية على مدى الأسابيع الماضية ضد عناصر المقاومة وبنيتهم التحتية في منطقة جنين ، وهذا يشير بكل وضوح تماهي السلطة في التنسيق الأمني مع الاحتلال.
هذه الحملة العسكرية في الضفة انطلقت من جنين التي يعتبرها العدو مركز ثقل المقاومة وقد لا تقتصر على منطقة جنين بل قد تمتد الى مناطق اخرى ، وقد نشهد دمارا واسعا ومجازر على غرار ما شهدناه في قطاع غزة ولبنان ، وقد استثمر رئيس حكومة العدو نتنياهو هذه الخطوة لإرضاء وزير المالية المتطرف سموتريتش للتراجع عن خطوة الاستقالة للحفاظ على استقرار حكومته في أعقاب استقالة المتطرف وزير الأمن القومي بن غفير ووزيرين من حزبه من الائتلاف الحكومي على خلفية اتفاق غزة .
وعليه نحن أمام مرحلة جديدة في المشهد الفلسطيني الذي يراهن العدو وبمساندة عربية ودولية على اخراجه من دائرة الصراع الاسرائيلي بعد اخراج حماس من حكم القطاع وتدمير الجزء الاكبر من قدراتها وقدرات فصائل المقاومة القتاليه ، خصوصا وامام القطاع واهله تحديات عدة في اولويتها لملمة جراحه واعادة بنائه خلال السنوات المقبلة ، فضلا عن المتابعة والإشراف الإقليمي والدولي على تنفيذ مندرجات الاتفاق على نحو يلبي احتياجات العدو الأمنية .
وهذا يقودنا الى قراءة المشهد بشكل اوسع على مستوى المنطقة ، فبعد الاتفاق الذي ابرم بين العدو والدولة اللبنانية وحزب الله لانهاء الحرب على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة واعتبره العدو ابعادا لحزب الله ووسائله القتالية عن حدوده ، تبعه اتفاق مع حركة حماس يرى فيه العدو اغلاقا لجبهة قطاع غزة ، وهو الآن بدأ باستهداف المقاومة في الضفة الغربية لتحييدها ، والاهم من هذا كله سقوط نظام الأسد في سوريا بيد مرتزقه لا تكن للعدو الاسرائيلي اي عداء لا بل العكس ، وهذا اعتبره العدو قطعا لخط الامداد لمحور المقاومة ، كل ذلك يجد فيه العدو ضربة قاسمة لمحور المقاومة ومن خلفه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على نحو يعطيه املا لسنوات قادمة بعدم الدخول في اي حرب وتعزيز امن وحماية مستوطناته ، لا بل اكثر من ذلك يحاول العدو استغلال كل ذلك لتوسيع رقعة سيطرته جغرافيا كما حصل في سوريا التي دخلها بعمق ١٥ كلم ، فضلا عن طموحه بجعل الظروف هذه مدخلا لتغيير وجه المنطقة كما يكرر دائما رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو ، وهذا كله رهن بظروف ومجريات احداث في المنطقة التي قد تحمل مفاجآت تقلب الأمور رأسا على عقب نظرا لاهتمام إقليمي ودولي تشهده الساحة حاليا وتحديدا الخلاف الناشئ على بسط النفوذ وتحديد على الساحة السنية بين التركي ومعه القطري من جهة والسعودي ومعه الإماراتي من جهة ثانية .
وهذا يفرض علينا الترقب والحذر في المرحلة القادمة ومواكبة مجرياتها لاغتنام الفرص بما يتناسب والحفاظ على المقاومة وبيئتها وعلى المحور بشكل عام أمام التحديات التي تواجهها المنطقة ، علما ان سوريا هي محطة من محطات خطة الشرق الأوسط الجديد واهم مفاصلها ومن المخطط ان تطال شظاياها الدول المجاورة ، لتؤسس ما هو اشبه بما يسمى سايكس بيكو جديد ، وهو ما يعطي انطباعا ان المنطقة غير مستقرة وهي على صفيح ساخن .
