سياسة حافة الهاوية – الشيخ موسى

سياسة حافة الهاوية – الشيخ موسى
سياسة حافة الهاوية – الشيخ موسى

سياسة حافة الهاوية

تسارعت الاحداث في المنطقة بشكل دراماتيكي خلال الايام الاخيرة بعد تجاوز العدو الاسرائيلي كل الخطوط الحمراء على وقع اغتياله القيادي الجهادي الكبير في حزب الله “الحاج محسن” في الضاحية الجنوبية لبيروت ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس “اسماعيل هنية” في العاصمة الايرانية طهران بفارق ساعات قليلة لتفتح معها أبواب احتمالات التصعيد في المنطقة بين الكيان المؤقت وساحات محور المقاومة ومن خلفهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مصراعيه .
دون شك ان الخطوة التي اقدمت عليها قوات العدو على صعيدي الهدف والمكان هي كسر لقواعد الاشتباك القائمة منذ اندلاع عملية “الطوفان الاقصى” لتشكل معها منعطفا خطيرا على مسار الاحداث الى الحد الذي وضعت فيه المنطقة برمتها على اعتاب حافة الحرب الواسعة تحسبا لردود الفعل المرتقبة .
ان جرأة العدو على ضرب عاصمة المقاومة الضاحية الجنوبية وعمق الجمهورية الايرانية العاصمة “طهران” في ليلة واحدة وما يشكله ذلك من رفع العدو سقف المواجهة الى حدها الاعلى ، طرح جملة من التساؤلات حول الهدف الكامن الذي دفع برئيس حكومة العدو “نتنياهو” ومعه اركان حكمه الى هذه الخطوة وما قد ينتج عنها من احتمالات قد تقود الى حرب واسعة .
على مدى الأشهر العشرة الأخيرة لحظة اندلاع شرارة عملية “طوفان الأقصى” التي حطمت او بالحد الأدنى هشمت قوة ردع العدو على المستويين الامني والعسكري وما حملته من ابعاد شكلت تهديدا وجوديا لكيانهم خصوصا مع دخول ساحات محور المقاومة على خط المواجهة ، ومع الاخفاق الذي واكب العملية العسكرية الغير مسبوقة التي شنها العدو بكافة اذرعه على قطاع غزة وما خلفته من دمار هائل ومجازر بلغت حد الابادة البشرية والحصار الخانق بتحقيق اي انجاز ميداني من القضاء على قادة المقاومة او اعاده اسراه المحتجزين لدى المقاومة على نحو يعيد ترميم ما تصدع من قوة ردعه وفي الوقت عينه يسهم بتعزيز موقعه على طاولة التفاوض بما خص المسار الدبلوماسي الذي ترعاه كل من الدوحة والقاهرة لبلورة اتفاق ينهي الحرب ، كل ذلك وضع قادة الكيان بكافة مستوياتهم السياسية والعسكرية والأمنية في موقع محرج على الصعيدين الداخلي والدولي .
امام هذا الموقف وجد رئيس حكومة العدو “نتنياهو” نفسه ومعه معسكر اليمين واليمين المتطرف الذي يحظى بتاييد غالبية الشعب اليهودي اسرى حساباتهم السياسية في ظل حالات الاحتجاج التي تشهدها اوساط الكيان واستغلال قادة المعارضة الاسرائيلية لهذه الموجة للهجوم على “نتنياهو” ومعه اركان حكمه بتحمل مسؤولية اخفاق العاشر من تشرين الاول الماضي وفشل خياراته السياسية والعسكرية ، وفي لحظة غير متوقعة جاءت مجزرة “مجدل شمس” بغض النظر عن الجهة التي تتحمل مسؤولية الاستهداف عن قصد او غير قصد ليجد فيها “نتنياهو” سبيله نحو الخلاص ويصنع منها بروباغندا احظته بتعاطف دولي وبدهاء جعلت منه ولي الدم ليستغلها وبضوء اخضر اميركي ويتبع سياسة حافة الهاوية بتنفيذ عمليتي الاغتيال اللتان دون شك رفعت من اسهمه داخليا ودوليا وجعلت منه قائدا قوميا يهوديا لما حملته هذه الاغتيالات من تفوق عسكري وامني وجراة قيادية سياسية باتخاذ هكذا قرار استطاع من خلالها صنع انتصار يعيد له ترميم ما خسره بعملية “طوفان الاقصى” اقلها في المدى المنظور الى حين تبلور صورة المشهد الذي سينتج عن ردود الفعل .
وهنا لا بد من الاشارة انه على مدى الاشهر العشرة من المواجهات اظهر مسار الاحداث وتسلسلها عدم الرغبة لدى كافة الاطراف ان لدى العدو او ساحات محور المقاومة بالذهاب نحو مواجهة واسعة وهو ما ترجمته الحسابات الدقيقة في عمليات الاستهداف اقلها على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة بين العدو وحزب الله التي كان يعمد خلالها الطرفان الى تجنب الذهاب نحو حرب واسعة ، كما ان المجتع الدولي وعلى راسهم الاميركي مارس ضغوطا واسعة على الاطراف كافة لعدم الانجرار الى حرب واسعة وهذا الامر لا زال قائما وحادثة استهداف العدو القنصلية الايرانية في سوريا واحتواء تبعاتها برد ايراني محدود وكذلك استهداف الحوثيين لمدينة “تل ابيب” مؤخرا واحتوائها برد للعدو على ضرب ميناء “الحديدة” خير شاهد على قدرة الاميركي بضبط ايقاع الاحداث ويمكن وصفه بالمايسترو في مواكبة ورسم تطورات المشهد .
وهناك امر في غاية الاهمية لا بد من التطرق اليه وهو اغتيال “هنية” الذي كان خارج التوفعات والحسابات باعتباره الجهة السياسية التي تقود عملية التفاوض عن محور المقاومة بما خص انهاء الحرب على قطاع غزة ، ما طرح تساؤلات حول الجدوى من ذلك خصوصا ان اغتياله في طهران خطوة دونها مغامرة غير محسوبة تستدعي ردا ايرانيا ، ولكن اذا ما راقبنا مستوى الانقسام الداخلي في قيادة حركة حماس بين رئيس المكتب السياسي “اسماعيل هنية” المؤيد لقادة القسام والخط الذي ينتهجه “يحيى السنوار” و”محمد الضيف” في مقارعة العدو وبين رئيس حركة حماس في الخارج “خالد مشعل” الرافض لعملية “طوفان الاقصى” ، بين هذه التناقضات نجد ان العدو باغتيال “هنية” قد ازاح من دربه شخصا يتبنى شروط “السنوار” التي يعتبرها العدو عثرة  في عملية التفاوض وجعل “السنوار” دون داعم سياسي خصوصا مع تاكيد العدو تصفية “الضيف” ليصبح وحيدا من يقود الحرب ، وبالتالي قد يفتح المجال امام “مشعل” او من في خطه لقيادة عملية التفاوض ويجد فيه الشخص الذي قد يسهل عليه عملية التفاوض وانهاء الحرب بترتيبات جديدة لادارة القطاع .
ان الرد على الاغتيال هو امر محسوم وواقع لا محال منه وان العدو ومعه الاميركي يتوقعانه بحسب تقديراتهم لتداعيات الاغتيال ، لذا سيمارس الاميركي ومعه المجتمع الدولي ضغوطا كبيرة على محور المقاومة لعدم الرد بما يقود نحو مواجهة واسعة ، ولكن حجم الرد ونوعه والمكان والهدف والجهات المشاركة والنتائج المترتبة عليها سيكون كفيلا برسم مسار الاحداث وتطورها وما قد ينتج عنها من تدحرج الاوضاع نحو مواجهة واسعة او ايام قتالية محدودة . 
امام كل ما تفدم يبدو اننا اصبحنا في المراحل الاخيرة من الحرب ، فالعدو حقق في عمليتي الاغتيال اهدافا ازاحت عنه كاهله الاخفاقات التي الحقتها به عملية “طوفان الاقصى” والمواجهات مع ساحات محور المقاومة ووجد فيها ما يرد اعتباره على كل الجبهات الداخلية اولا والفلسطينية واللبنانية والايرانية والعراقية ثانيا ، واصبح جاهزا لخوض غمار التفاوض حول اتفاق ينهي الحرب على كل الجبهات بشكل مرتاح ، وتبقى المقاومة في حال ردت وهي حتما سترد ستكون ايضا قد اعادت اعتبارها ولم يعد امام الطرفان اي غاية من جدوى مواجهة واسعة ، وبالتالي سنشهد اما احتواء للرد المزمع او ايام قتالية تنخفض يوما بعد يوم وتيرتها والعودة الى قواعد الاشتباك القائمة تواكب مسار عملية التفاوض وهو الاحتمال الاقوى ، واما ان تنزلق معها الامور نحو مواجهة واسعة نتيجة ردود عالية السقف وهو احتمال ولكنه ضعيف في الوقت الراهن .

الكاتب الشيخ موسى

مقالات ذات صله

اعلى الموقع