“يروحوا يفجروا بالجنوب، نحن شو ذنبنا؟” ، تقول السيّدة المفجوعة تلك الكلمات امام عدسة الكاميرات. يحتار المرء من أين يبدأ. يخرج من فمه لا إراديًّا شتائم في شتّى الاتجاهات. ثم يحاول ان يجد بعض التبريرات كون السيدة قالت ما قالته تحت تأثير الفاجعة، وربما فقدت عزيزا او عزيزة، او لا زال عندها فقيد تحت الركام. ثم يتذكّر المستمع أن لا أحد من أهل الجنوب الذين ذاقوا مرارة القصف والتدمير خرج متمنّيًا ان يطال القصف بيروت او مناطق أخرى. لا أحد على الاطلاق.
لبنان ينتهي في ذهن تلك السيدة عند حدود منطقتها، والأرقام التسلسلية على بطاقات الهوية ينتهي ترقيمها عند آخر مواطن يشبهها ويشبه سحنتها ودينها ومذهبها ولون بشرتها واسمها ولكنتها.
كلّ ما عدا ذلك، هو جنوب، وربما بقاع وشمال، لم تسعفها الفاجعة أن تسمّي الجهات كلها ربما. هؤلاء من خربوا عليها الموسم السياحي اثناء عدوان تموز ٢٠٠٦، ونغّصوا عليها رحلات الاستجمام على الشواطئ.
ليفجّروا في الجنوب. من سيفجر من أساسًا؟ السيدة تفترض ان اسرائيل قصفت شيئا ما في المرفأ، وهي تدعو اسرائيل، او كارتيل نيترات الأمونيا ان ينقلوا ألعابهم وتجاربهم الى الجنوب. القتل هناك أمر عادي ومباح، الجنوب wasteland كبيرة جدًّا، حاوية نفايات عملاقة للبنان الكبير، لبنان الرسالة، لبنان النموذج. الجنوب مختبر القتل والتدمير والتشريد. افعلوا ما ترونه مناسبًا هناك. اقتلوهم كفئران التجارب، واحرقوهم كالساحرات والمشعوذين والمهرطقين وطاردوهم كغجر أوروبا الشرقية وقبائل الأباتشي من السكان الأصليين في أميركا.
قيمتنا نحن في احياء بيروت أعلى، وعرقنا أصفى، وقد أخبرونا في أساطير الأوّلين أنّنا في لبنان نحن ورثة الفينيقيين لا نموت ولا نُقتل ولا نُقهر ولا نتعب وقد وُعدنا بأنهر اللبن والعسل وهناء العيش والاستجمام، والموت والقتل لم يكن جزءًا من الاتفاق.
أما في الجنوب، لتأتِ الحمم على أهله وليتفشَّ الطاعون والكوليرا والهواء الأصفر والجدري. لتُطحن عظام الناس هناك، هم ينجبون الكثير من الاولاد اصلًا، والوالد لا يعرف أسماء اولاده لكثرتهم، وكلهم يسمون نفس الأسماء. لن يتأثر أحد ان قُتل بعضهم. لكنتهم مضحكة وتصلح للبرامج الفكاهية، ويجبرون بناتهم على لبس الحجاب، ويشطبون رؤوس اولادهم بالشفرات والسيوف اثناء عاشوراء، ويمكن أن تعرفهم من لحاهم وقمصانهم. لا يتكلّمون اللغات الأجنبية كما ينبغي، هذا ان كانوا يتكلمونها أصلا. بالله عليكم هل تتخيّلون أحدا منهم يستقبل مسيحنا المخلص، وقد تجسّد في ايمانويل ماكرون، طائفًا في شوارع بيروت ويطالبه بالانتداب بلغة فرنسية صحيحة؟ يا للفضيحة أمام الفرنكوفونية ورفاقنا في المركز الثقافي الفرنسي.
لبنان في الرخاء والحياة لنا فقط، ولبنان في البؤس والموت لهم هم فقط، للجنوب والبقاع والشمال وباقي المناطق التي زدناها على خريطة المتصرفية لكي يكونوا مواطنين درجة ثانية. بطاقات الهوية التي بحوزتهم ما هي الا عطايا ومكرمات تكرّمنا عليهم بها. ترى الجنوب كما يرى الانسان الغربيّ الmiddle east.
لو مات علي مشيك وحيدا، بدون ضوضاء ودمار ومقتلة جماعية، لكان الأمر هيّنًا على تلك السيدة ربما. لبناني من الأطراف، اسمه علي، ويعمل عتّالًا غريبًا على المرفأ مع كل ما يحمله هذا التصنيف من تركة تاريخية هائلة. مات علي تحت أهراءات القمح، كي يؤمّن بعض الليرات ليشتري خبزا لأولاده في المساء. كان الأمر ليكون طبيعيا لو مات علي وحيدًا، ولم تتضرر السيّدة.
الى تلك السيدة التائهة، يا اختنا في هذا الوطن الرديء، لا أراكِ الله مكروهًا في عزيز ولا عزيزة . وكما قيل في أحد التعليقات على الفيديو المنتشر، وأقتبس هنا بتصرّف، كلامك هو كلام من وصل به الضلال مرتبة عظيمة، وانحرف قلبه عن طريق الربّ.
