لا يمكن فهم الواقع اللبناني المعاصر دون العودة إلى جذور الانقسام حول مفهوم “الاستعانة بالخارج”. إن ذكر بشير الجميل في هذا السياق يأتي بوصفه الشخصية التي استدرجت إسرائيل إلى العمق اللبناني وشرّعت لها أبواب التدخل العسكري قبل وجود “المقاومة الإسلامية” بسنوات، مما خلق واقعاً مأساوياً أدى لاحقاً إلى ولادة حركات مقاومة لمواجهة هذا الاحتلال. أولاً: بشير الجميل والرهان الخاسر برز بشير الجميل في أوج الحرب الأهلية كقائدٍ سعى لفرض سلطته عبر توحيد البندقية، إلا أن خطوته الأكثر إثارة للجدل كانت تنسيقه المباشر مع إسرائيل عام 1982. لقد كان الجميل هو من وفّر الغطاء المحلي للاجتياح الإسرائيلي، مستخدماً الوجود الفلسطيني كذريعة لجلب قوة خارجية تكسر موازين القوى الداخلية، ظناً منه أن “الدبابة الإسرائيلية” ستوصله إلى حكم جمهورية قوية، لكنه دفع حياته ثمناً لهذا الرهان، وترك بلداً غارقاً في الاحتلال والتبعية. ثانياً: المقاومة وسؤال الأجندة الإقليمية في المقابل، نشأت المقاومة الإسلامية كضرورة ميدانية لمواجهة الإرث الثقيل الذي خلفه الاجتياح الإسرائيلي. ورغم نجاحها في تحرير الأرض عام 20
00، إلا أن النقاش اليوم يتركز على علاقتها بإيران. فبينما يراها جمهورها قوة ردع وطنية، يرى المعارضون أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يربط لبنان بصراعات إقليمية، مما يجدد السؤال حول ماهية السيادة الكاملة. ثالثاً: الجيش اللبناني وفيتو القوة إن الأزمة الحقيقية تكمن في أن المجتمع الدولي، الذي ينتقد وجود سلاح المقاومة، هو نفسه الذي يفرض “فيتو” صارماً على تسليح الجيش اللبناني. تُمنع المؤسسة العسكرية من امتلاك أنظمة دفاع جوي أو أسلحة رادعة لضمان أمن إسرائيل، مما يحوّل الدولة إلى سلطة “منزوعة الأنياب” غير قادرة على حماية سمائها وأرضها من الخروقات اليومية. رابعاً: الاستراتيجية الدفاعية كطريق للحل أمام هذه الحلقة المفرغة، يبرز الحل في صياغة “استراتيجية دفاعية وطنية” توحد جهود القوة تحت مظلة الدولة. إن دمج قدرات المقاومة (كقوة رادعة غير كلاسيكية) مع شرعية الجيش اللبناني وقرار الدولة السياسي، هو السبيل الوحيد الذي يضمن حماية لبنان من الأطماع الإسرائيلية من جهة، ويستعيد هيبة المؤسسات الدستورية والسيادة الوطنية من جهة أخرى. الخلاصة: إنه لولا هيمنة الإرادات الخارجية على القرار اللبناني، ولو قُدّر للدولة اللبنانية بسط سيادتها المطلقة ومنح جيشها الحق الكامل في الذود عن حياضه بامتلاك كافّة أدوات الردع، لما قامت ضرورةٌ لنشوء سلاح المقاومة؛ إذ إنّ هذا السلاح في جوهره التاريخي والواقعي ليس إلا نتاجاً لضعف الدولة الممنهج ومنع جيشها من القوة، وليس هو العلة الأساس في تغييب سيادتها.
