إيران لا تبحث عن قفزة إلى الأمام… بل عن منع السقوط أثناء تبدّل النظام الدولي
د. فارس  فهد -باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي

إيران لا تبحث عن قفزة إلى الأمام… بل عن منع السقوط أثناء تبدّل النظام الدولي 
د. فارس  فهد -باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي

لم يعد الارتفاع المتسارع في أسعار الذهب مجرد حدث اقتصادي أو حركة سوقية عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي–استراتيجي بامتياز. تاريخيًا، يرتفع الذهب عندما تفقد الأنظمة النقدية استقرارها، وعندما تبدأ القوى الكبرى بالتحوّط من فشل السياسة قبل فشل الاقتصاد. في هذا السياق، يصبح الذهب إنذارًا مبكرًا بأن النظام الدولي يدخل مرحلة اضطراب، وأن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية لمنع الصدام.
هذا الارتفاع المتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط، يفتح الباب أمام قراءة أوسع: نحن أمام بيئة استراتيجية أصبحت تسمح بالحرب أكثر من أي وقت مضى، حتى لو لم يكن قرار الحرب قد اتُّخذ رسميًا. فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة بإعلان، بل بمؤشرات تراكمية، تبدأ اقتصاديًا، ثم سياسيًا، ثم عسكريًا.
في هذا الإطار، يأتي الحشد العسكري الأمريكي الأخير في الشرق الأوسط. إرسال حاملات طائرات، وتعزيز القواعد، ورفع الجاهزية لا يعني بالضرورة نية خوض حرب شاملة، بل يعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة ما قبل الحرب: مرحلة كسر السقوف واختبار الخطوط الحمراء. فواشنطن، تاريخيًا، لا تلوّح بالحرب التي تريد خوضها، بل تستخدم التهديد عندما تريد منع الانزلاق إليها أو فرض تسوية بشروط القوة.
الحرب وفق منطق الصراع الدولي، تبدأ دائمًا بـ حدث صغير محسوب يُكسر به السقف القائم. وتبدأ عندما يصبح عدم الرد أخطر من الرد. هذا ما نشهده اليوم في أكثر من ساحة: اغتيالات نوعية، ضربات “تأديبية”، ردود سيادية، ثم سلسلة ردود متبادلة لا تُسمّى حربًا رسميًا، لكنها تفتح مسارًا يصعب إيقافه بسهولة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس غزوًا شاملًا ولا إعلان حرب رسمي، بل حرب إقليمية واسعة، متعددة الجبهات، قصيرة نسبيًا لكنها عنيفة. وهي حرب تقوم على التوسع الأفقي لا التصعيد العمودي: ضرب حلفاء، استهداف اقتصاد، ضغط سيبراني، تهديد الملاحة، بدل ضربة كبرى مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. هذا النوع من الصراع أخطر من المواجهة المباشرة، لأنه يوسّع دائرة اللاعبين ويفرض على الحلفاء الدخول، ولو تدريجيًا.
ضمن هذا المسار، يمكن تحديد ثلاثة احتمالات رئيسية:
الأول، وهو الأرجح، حرب ضبط النفوذ بلا إسقاط أنظمة، هدفها إضعاف القدرات وتثبيت قواعد اشتباك جديدة.
الثاني، خطأ حساب واحد قد يقود إلى صدام مباشر محدود، عنيف لكنه قصير، يعاد بعده رسم الخطوط.
أما الثالث، والأبعد لكنه الأخطر تاريخيًا، فهو تدويل الصراع وإدخاله في هندسة النظام العالمي، ما يستدعي أدوارًا صينية وروسية ويحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة إعادة ترتيب دولية.
في هذا السياق، يبرز التهديد باستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي. ظاهريًا، يبدو هذا التهديد رسالة ردع قصوى: “نحن قادرون على كل شيء، ولا سقف بعد اليوم”. لكن في العمق، هو فخ استراتيجي أكثر منه خيارًا عمليًا. فاغتيال السيد خامنئي ليس عملية عسكرية قابلة للاحتواء، بل حدث يؤدي إلى انهيار أي إمكانية ضبط للصراع، ويفتح الباب أمام انفجار إقليمي غير قابل للسيطرة، مع دخول الصين وروسيا سياسيًا على الأقل، وانهيار ما تبقى من شرعية أخلاقية أمريكية. وهذا بالضبط عكس ما تريده واشنطن.
الهدف الحقيقي من هذا التهديد هو تضييق خيارات إيران دون إطلاق النار: دفعها إلى رد متسرّع يحمّلها مسؤولية التصعيد، أو إلى صمت يُفسَّر ضعفًا. حتى الآن، تحاول طهران تفادي الفخ: تناور، ترسل رسائل، ترفع السقف خطابيًا، لكنها تُبقي الفعل دون الخط الأحمر. هذا سلوك دولة داخل حرب مسار لا حرب قرار.
في المقابل، تلعب الولايات المتحدة على عامل حاسم: الداخل الأمريكي. انتخابات، انقسام سياسي، تعب شعبي من الحروب، وأزمة اقتصادية تلوح في الأفق. حرب مفتوحة الآن غير قابلة للبيع سياسيًا، وغير مضمونة النتائج. أما الحشد العسكري، فيعطي صورة “الرئيس القوي” دون دفع كلفة الحرب، ويخلق في الوقت نفسه قنوات اتصال عسكرية مباشرة تقلّل احتمال “الصدفة القاتلة”، إذ تصبح كل حركة محسوبة.
من هنا، يبدو أن هذا الحشد ليس مقدّمة لحرب، بل مقدّمة لتسوية. لكن أي تسوية؟ ليست سلامًا شاملًا، ولا تطبيعًا واسعًا، بل تسوية إدارة صراع لا إنهائه. تسوية تضبط الساحات: سقف اشتباك في لبنان، تحييد نسبي للملاحة في اليمن، تخفيف الاستهداف في العراق. وتسوية تقوم على تبادل غير معلن: أمن مقابل نفوذ، ردع مقابل ضبط الحلفاء، اقتصاد مقابل تهدئة، مع إعادة تعريف دقيقة للخطوط الحمراء.
ضمن هذا الإطار، ماذا تحصد إيران؟ ليس انتصارًا احتفاليًا، ولا رفعًا شاملًا للعقوبات، ولا دورًا مهيمنًا بلا كلفة. لكنها تحصد اعترافًا ضمنيًا بدورها الإقليمي، وتثبيت خطوط حمراء تحمي أراضيها ورأس نظامها، ومكاسب اقتصادية غير مباشرة، والحفاظ على شبكة حلفائها، والأهم: كسب الوقت. والوقت، في مرحلة انتقالية عالمية، هو شكل من أشكال القوة.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس اقترابًا من الحرب الكبرى بقدر ما هو دخول في مرحلة فرض تسوية بالقوة. وعندما تبلغ أدوات الحرب أقصى حضورها دون استخدام، فهذا يعني أن السياسة عادت… ولكن من الباب العسكري.

إيران لا تبحث عن قفزة إلى الأمام… بل عن منع السقوط أثناء تبدّل النظام الدولي 
د. فارس  فهد -باحث في العلاقات الدولية – الشأن الإيراني والإقليمي

مقالات ذات صله

اعلى الموقع