
اقروا كلمة كلمةة. وعيدوا القراءة اذا لزم الأمر منقول 👌🏾👌🏾👌🏾
قراءة غير شعبوية في حروب “النقاط”
حين يخسر من يبدأ بالضربة القصوى .
إنّ أيّ مطّلعٍ على العلوم العسكرية، ولو بالحدّ الأدنى ، وأي متابعٍ للمناورات والتجارب الصاروخية وإعلانات التسليح التي صدرت عن محور المقاومة خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة ، لا يمكنه تجاهل حقيقة واضحة :
حزب الله في لبنان لم يُقاتل في حرب ٢٠٢٤ ، ولا منذ يوم الطوفان ، بأيٍّ من أسلحته الجديدة .
لا دفاع جوي حديث استُخدم ، ولا صواريخ بحر–بحر ، ولا صواريخ أرض–أرض متطورة ، ولا حتى نقلة نوعية في سلاح مضادّ الدروع .
بل إنّ كل ما استُخدم – من اليوم الأول للطوفان حتى اليوم – هو عمليًا الترسانة نفسها التي كانت موجودة في حرب تموز ٢٠٠٦ .
حتى أن الحزب في حرب تموز نفسها استخدم سلاحًا بحريًا نوعيًا ، بينما بعد ثمانية عشر عامًا من التحضير والتجهيز والتطوير والتكديس… لم يُستخدم شيء .
التفسير الجاهز يقول : “كلّ شيء دُمّر في الغارات الأولى”.
لكن هذا التفسير لا يصمد أمام العقل ، ولا أمام علم الاحتمال ، ولا أمام أبسط منطق عسكري !
( الاسرائيلي قال انه دمّره يوم الاثنين الأسود ب ١٦٠٠ غارة ، لكنه نفسه شنّ ١٢ الف غارة في ٦٠ يوم بعدها ، ثم قال مرة أخرى انه دمّره يوم وقف اطلاق النار ، لكنه نفسه شنّ ٢٠٠٠ غارة بعدها ، ثم أكّد انه سحق الحزب ودمّر سلاحه لكن لم يبقَ أحد في هذا العالم لم يأت الى لبنان لأجل السلاح المدمّر 😊 والآن وبعد أن دمّره ٣ مرات ، يهدد كل يومٍ انه آتٍ لتدميره مرّة جديدة )
ومع أن حرب الإسناد استمرت سنةً كاملةً دون “غارات أولى” ومع الأخذ بالاعتبار فكرة أن الحزب (وقت الإسناد) أخذ قرارًا بالإحتفاظ بأسلحته الإستراتيجة للحرب الكاملة ، فهل من الممكن عقلًا بعد الغارات الأولى أن تُدمَّر كل الأسلحة الحديثة فقط ؟ وأن لا يبقى تحت الركام إلا الأسلحة القديمة ، ومن كل الفئات ؟ وأن يكون أكبر سلاح استُخدم في حرب ٢٠٢٤ هو صاروخ فاتح ١١٠ الموجود أصلًا قبل ٢٠٠٦ ؟ وأن من قاتل في اليوم الأربعين والخمسين من حرب ايلول وسحب سلاحه من تحت الأنقاض ، لم يجد أمامه إلا ما هو قديم ؟
هل يوجد في علم الإحتمال ، إمكانية أن لا ينجو سلاحًا حديثًا واحدًا فقط ! ومن كل الفئات !!
هذا ليس تحليلًا ! هذا طمسٌ متعمّد للحقيقة ، فعقول العوام لا تقبل فكرة ان يجلس أحدٌ في التنور ملتزمًا بالخطّة الأساسية .
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي : لماذا ؟
لفهم ما جرى، علينا العودة إلى يوم الطوفان ، ذلك اليوم المقدّس الذي اضطرت فيه أعظم إمبراطورية في التاريخ إلى أن تبدأ المواجهة عبر استحضار أكبر غواصة نووية لديها إلى المنطقة ، وهذا وحده كافٍ ليدلّ على حجم ما تعرفه الولايات المتحدة عن قدرات المحور ، إلى درجة أنها أخرجت إلى الطاولة أعظم سلاح ردعي في ترسانتها : الردع النووي.
ومع ذلك تمرّ الأيام ، ثم الأسابيع ، الى ٢٦ يومًا من الصمت ، قبل أن يخرج خطاب السيد الأول ، ليقول الرجل ما صدم الصديق قبل العدو :
لا حرب كبرى ولا حرب مفتوحة ولن ننتصر على إسرائيل إلا بالنقاط ، هذه الكلمة الأخيرة لم تكن عابرة ، بل كانت المفتاح الكامل لفهم كل ما تلاها.
ثم تكرّر المشهد نفسه ، شبه حرفيًا ، في حرب إيران مع إسرائيل عام ٢٠٢٥ .
إيران أطلقت خلال ١٢ يومًا ما بين ٥٠٠ ٦٠٠ صاروخ ، كان نحو ٩٠% منها من إنتاج أعوام ٢٠٠٣ – ٢٠١٣ ، بينما لم يُستخدم من الصواريخ المُنتَجة بعد ٢٠٢٠ إلا أعداد محدودة جدًا ، والمفارقة الكبرى لم تكن في نوعية الصواريخ ، بل في عددها ، فالجمهورية الإسلامية ، بعمقها الجغرافي الهائل ، وبعقود من الهدوء الاستراتيجي ، وبقدرات تصنيع ضخمة ، كان يُقدَّر سابقًا أنها قادرة – في أي حرب مفتوحة – على إطلاق ١٠٠٠ إلى ٢٠٠٠ صاروخ يوميًا ، رقم لا تستطيع كل جيوش الأرض مجتمعة منعه .
(ملاحظة: هذا المقال لا يناقش تفاصيل الحرب التي شُنّت على إيران ، ولا يفنّد السردية الإسرائيلية التي سقط منها أكثرها ، ويكفي أن الحقيقة الأدنى كانت أن لا طائرة حربية إسرائيلية دخلت الأجواء الإيرانية طوال ١٢ يومًا).
هنا نذهب الى الفرق الجوهري الذي يتجاهله الجميع لأن المقارنة الحقيقية ليست :
ماذا لم يستخدم محور المقاومة ، بل ماذا استخدم العدو ؟
ففي الضربات الافتتاحية منذ يوم الطوفان ، استخدم العدو في كل جبهاته كل ما كان قد حضّره وجهّزه وخزّنه على مدى ١٨ عامًا :
كل الإغتيالات ، كل بنك الأهداف ، كل الذخائر الذكية ، كل خطط الصدمة الأولى ، كل منظومات التفوق الجوي كل عناصر المفاجأة …
أي أنه قاتل منذ اليوم الأول بالقدرة القصوى ، والنتيجة؟
ما استُخدم خُسر ! ما أُطلق نَفِد ، وما بُني على مدى سنوات طويلة احترق في أسابيع ، فالعدو لم يحتفظ بورقة لاحقة ، لم يترك هامش تصعيد ، ولم يُبقِ مفاجأة استراتيجية .
دخل الحرب بضرب كل ما لديه ، فلم يعد لديه ما يضرب به .
إنهاك القوة القصوى قانون لا يُكسر
لا توجد دولة في العالم ، مهما كانت قوية ومهما كانت مستعدة ومهما كانت مدعومة ، تستطيع أن تقاتل بالقدرة القصوى لمدة سنتين دون أن تدخل حالة إنهاك شديد .
هنا الإنهاك لا يكون فقط في الذخائر ولا في السلاح ، بل في : الاقتصاد والجبهة الداخلية والجنود والاحتياط والقرار السياسي والقدرة على تحمّل المفاجآت .
من يقاتل بأقصى ما لديه منذ اليوم الأول ، يحرق مخزونه ويستنزف روحه ويقفل كل مخارج المناورة ، أما من يقاتل بالنقاط فهو من يُطيل أمد الصراع ويختار توقيت التصعيد ويحتفظ دائمًا بالأسوأ لخصمه .
وهنا النقاط ليست ضعفًا ، بل فائض قوة مُدار ، ففي حروب النقاط كل يوم صمود هو نقطة وكل فشل ردع نقطة وكل شلل اقتصادي نقطة وكل صاروخ اعتراض أغلى من الهدف نقطة وكل استدعاء احتياط بلا حسم نقطة والنصر هنا لا يُعلَن بل يُراكم ، كأنك وخزت عدوّك بمليون إبرة ، ولم تضربه بسيفٍ واحد .
في البعد القرآني :
لفهم أعمق لمنطق “النقاط” وضبط التوقيت ، لا بد من التوقّف عند مشهدٍ قرآنيٍّ مؤسِّس ، لا بوصفه قصة دينية ، بل قاعدة تكوينية في الصراع .
في مواجهة موسى مع سحرة فرعون ، طُرح السؤال :
“قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ”
ورغم يقينه المطلق ، اختار موسى أن لا يبدأ : “قَالَ أَلْقُوا”
القرار هنا لم يكن خوفًا ، بل فهمًا لقانون المواجهة : البادئ يكشف أوراقه ويستهلك عنصر المفاجأة.
ألقى السحرة كل ما لديهم ، استعرضوا قوتهم كاملة وفعلوا تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة واسرائيل بالناس :
“فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ”
لكن موسى ، حتى بعد ذلك ، لم يُلقِ ! لم يتصرّف من نفسه ، لم يستثمر اللحظة بعجلة ، بل انتظر : “وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ”
أي أن الفعل الحاسم لم يكن ردّة فعل ، بل قرارًا مرتبطًا بالتوقيت الإلهي .
وحين أُلقيت العصا في توقيت الوحي الالهي ، بعد أن استُهلكت أدوات الخصم ، كانت النهاية حاسمة : “فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ”
ولكن حتى كل هذه المواجهة لم تكُن سوى نقطة لموسى في معركته مع فرعون ، حيث أن فرعون وبعد أن رأى كل ذلك ،”قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ” وهنا موسى لم يستخدم فورًا اسلحته الالهية الأخرى بل “قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”
فموسى القى عصاه ثم صبر ، ثم صبر ، ثم شقّ البحر !
الفرق الحقيقي في الحروب ليس فقط في السلاح ، ولا في العدد أو القوة ، بل في من لديه قدرةً أكبر على الصبر والتحمّل ومن يعرف متى يبدأ ومتى ينتظر .
طرفٌ بدأ بالضربة الكبرى ، أفرغ كل أوراقه منذ اللحظة الأولى وأصبح لاحقًا أسيرًا لما أظهر ، منهكًا بما أنفق ، مكشوفًا أمام الخصم .
وطرفٌ آخر لم يُخرج سلاحه بعد ، لم يفعل ذلك ضعفًا ولا ترددًا ، بل لأنه يعرف أن القوة الحقيقية لا تُستعمل إلا في التوقيت المناسب ، وأن من يُبقي أوراقه يحكم اللعبة قبل أن تبدأ ، ويكتب نهايتها قبل أن يدخل ساحة الصراع .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا
إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ …
احمد حسن
