
رغم ان اللبناني معروف بكونه مثقف ، ويملك عقلية منفتحة. وبانه، يمتلك مرونة، في التعامل مع الاخر ، المختلف . وهو ما جعله يندمج، و ينجح ، ويتفوق في مختلف اصقاع الدنيا، المختلفة، بثقافاتها المتنوعة، شديدة البعد عن البيئة اللبنانية . حيث ، اعتاد عدد كبيرمن اللبنانيين ، المغادرة للدراسة والعمل .
هذا الانفتاح الذهني في العقلية اللبنانية ، كان متوقعاً منها ، ان تنعكس ، في تعامل اللبنانيين فيما بينهم ، داخل وطنهم، وان يساهم ذلك ، بخلاص لبنان من الطائفية السياسية.
فلبنان بلد ، التعددية الثقافية ، الدينية، والاجتماعية . يضم 18 طائفة دينية، وكل منها، لها شعائرها ، وطقو سها العبادية ، وثقافتها، وسلوكياتها، وعاداتها، وحتى قيمها ، وأسلوب عيشها. اسلوب ونمط حياة ، يُعبّر عن الثقافة والعقيدة ، المتميزة التي تعتنقها ، كل طائفة .
واحد اهم تجلياتها ، اللباس ، الذي يجسد افكار الجماعة ، وتنشئتها ، وقيمها الخاصة ، المتناغمة مع هذه العقيدة .
لكن للأسف ، نجد بعض اللبنانيين ، رغم كل قدراتهم ، الاستيعابية ، للآخر المختلف، في اي وجهة من العالم.
نجد هذا البعض ، يتعامل، في لبنان، بعقلية منغلقة ، إزاء تحديداً ، مسألة دينية خاصة ، بإحدى الطوائف الاساسية في لبنان : الحجاب .. مع العلم ان المحافظين، في مختلف الطوائف اللبنانية، يرتدون نساء ورجال ، لباسا يعبر عن مستوى تمسكهم بالعقيدة الدينية ، .
يستهجنون الحجاب ، ووجود المحجبات، الى حد ، اتخاذ هذا البعض، موقفاً حاداً من الحجاب. ويعتبرون ، ان جماعة الحجاب ، يعيشون ، ويتصرفون، بطريقة لا تشبه، اسلوبهم هم في العيش ، والثقافة اللبنانية.
قافزين بصلف ، فوق خصوصية الآخر ، حدا ، بلغ معه رفض، ونبذ ، من ترتدين الحجاب . والتعامل مع المحجبة ، على أنها كائن غريب، ومثير للدهشة والنفور .
وإن ظلت ، هذه المشاعر ،والآراء، تسري في المجتمع بتعبيرمغّلف، وحرص ، على عدم اظهاره ،علنا وصراحة في المواقف. الا انه ، الآن ، هذه المواقف تُقال صراحة وعلى الملأ .
حصل هذا مؤخرا ، بعد موجة النزوح ، من جنوب لبنان، بسبب الاوضاع الامنية . حيث البعض، قي بيروت، والمناطق المحيطة بها، يرفضون تأجير منزل، لأسرة لبنانية، نساؤها محجبات .
هكذا ، اميط لللثام كلياً ، عن نوايا مضمّرة ، عند البعض ، الى العلن بوضوح تام . لا نؤجر منزلاً فيه محجبات .
وقد تلقى ، كتير من هذه الأسر النازحة، هذا الجواب، والسبب من جانب هذا البعض، ادعاءهم ان ذلك، من شأنه، إدخال مناطقهم الآمنة ، في دائرة خطر، ملاحقة العدو، السكان الجدد، النازحين، واستهدافه لهم .
هكذا تحول الحجاب، من لباس ذو مغزى ديني، الى لباس بنظر البعض، باعث بحد ذاته على الخطِر .
لماذا الخوف من الحجاب الى حد الذعر ؟
فمكونات لبنان البشرية، ليست منفصلة عن بعضها ، صحيح، هي طوائف ، ومذاهب دينية ، متمايزة، لكنها ، تتعايش جنباً الى جنب ، وتتداخل بيوتها ، في القرى، والمدن، تملك ، وتسكن بجوار بعضها البعض، على اختلاف انتماءاتها ، و أشكالها ولهجاتها ، وقيمها، وسلوكياتها ومعتقداتها ، ولباسها. فلماذا استغراب الحجاب ، طالما انه لباس له حضوره عند جماعات لبنانية واسعة ؟
وتبقى الغاية من غطاء الجسم و الرأس ، كلباس، عندالجماعات هو ، ستر أجزاء من الجسم، لا ينبغي كشفها، لتجنب، إثارة انزعاج النظام الأخلاقي ،والنظام العام .
بهذا المعنى ، العالم كله ، متمايز ومختلف عن بعضه وهذا الاختلاف ، وانعدام الشبه، إنما هو دليل غنى وفرادة ثقافية . وهو أمر الطبيعي،بين الجماعات التي تحرص، على صون حرية معتقداتها، وخصوصيتها الثقافية، ومختلف الأبعاد، الإنسانية والاجتماعيةالملازمة لها .
ويصبح الاتهام، بالاختلاف و عدم الشبه، بين جماعة واخرى، انتهاك، واعتداء، على هذه الخصوصية، المكفولة بالقوانين ، في اي دولة، ومنها لبنان، الذي تنص قوانينه ، على احترام هذه الخصوصية،وحمايتها، من منطلق حمايةالحريات العامة .
فالمادة 9 من الدستور اللبنانيي تاريخ 23/05/1926 نصت على
ان حرية الاعتقاد مطلقة. والدولة بتأديتها، فروض الاجلال لله تعالى، تحترم جميع الاديان والمذاهب ، وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية، تحت حمايتها. على ان لا يكون في ذلك، اخلال في النظام العام ، وهي تضمن ايضا، للاهلين اختلاف مللهم، احترام نظام الاحوال الشخصية، والمصالح الدينية.
فمتى، يخرج البعض، من عقلية التقوقع على الذات، ويدركون ان الحرية، هي حق لغيرهم، كما هي حق لهم ؟
