من إلهان إلى زهران
بالرّغم مِن تهجّم ترامب عليه وإتّهامه بالشّيوعيّة وتهديده بقطع التمويل الفيدرالي عن نيويورك حال فوزه برئاسة البلدية. فاز زهران الممداني البالغ من العمر 33 عاماً ممثلا للحزب الديمقراطى امام المرشح الجمهوري كورتيس سليو 71 عاماً ، والمرشح المستقل أندرو كومو 67 عاماً الذي يدعمه ترامب، فاز فى عاصمة المال والاعمال رغم دعم كبار المموّلين لمنافسيه. فاز في حملة انتخابية تجاوز فيها الاقبال ثلاثة اضعاف انتخابات عام 2021. ليُقرأ هذا الخبر على استحقاقات إنتخابات النصف القادمة، التي ستكون صعبة. وكما يتوقع مراقبون، أنّ مصير أمريكا ومستقبلها مقرون -دون مبالغة- بالإستحقاق القادم.
إنّ حشد المجتمع المدني يتغيّر داخل أمريكا بشكل سريع وسينقلب على أيّ سلطة لا تأخذ بالحسبان مصالحه وحاجياته. وربما الجيل الذي تخندق في مظاهرات اللّا ملكيّة الّتي إجتاحت الولايات الأمريكية هو الذي سيطيح بالجمهوريين والديمقراطيين معًا. يصعب تخمين ما سيحصل في الوقت الرّاهن ويخطئ من يتصوّر أنّ العالم يتغيّر دون أن تتغيّر أمريكا.
داخليّا، تيّار العولمة يترنّح في مُربّّع تموقعه الدّولي وحروب مصالحه. كما أنّ اللّوبيات الحاكمة تحاول بإستمرار إدارة التّوازنات وتدوير الزّوايا لفهم ما يحصل في النّسيج المجتمعي الّذي يبحث عن بدائل جذريّة وناجزة.
يجري هذا مع عدم إقرار الكونجرس للميزانيّة الأمريكيّة الّذي أدخل أمريكا في حالة إغلاق، مع توقّف صرف رواتب العاملين في المؤسّسات الفيدراليّة، البالغ عددهم نحو 700 ألف موظّف، يضاف إليهم الجيش الأمريكي، ممّا إضطرّ أحد المتبرّعين لسداد مدفوعات أقوى جيش دولة في العالم.
كما توقّفت شبكة “سناب” للدّعم الغذائي للفقراء وكبار السّنّ وذوي الإعاقة، الّذي يقدّم مواد غذائيّة أساسيّة لنحو 42 مليون أمريكي.
يُضاف إليها شرارة الجدل داخل التّيّار المحافظ لمهاجمة إسرائيل وأنصارها، حيث قال كارلسون: “إنّ الصّهيونيّة المسيحيّة هرطقة خطيرة داخل الدّيانة المسيحيّة” ووصفها بأنّها “فيروس في الدّماغ أصاب الكنيسة”، معدّدا أسماء شخصيّات جمهوريّة بارزة مثل “مايك هوكابي” سفير واشنطن في تل أبيب والسّيناتور “تيد كروز” و”جون بولتون” و”كارل روف” و”جورج بوش الإبن” كنماذج لما وصفه بـ”المسيحيّة الصّهيونيّة المنحرفة”.
هذا الخلاف يهزّ اليمين الأميركي ويضرب قواعد ترامب في مقتل. بين المسيحيّين المؤيّدين للصّهيونية والمسيحيّين المحافظين الّذين يعيدون تقييم علاقتهم بإسرائيل، جدل واسع إنطلق داخليّا بعد تصريحات “كيفن روبرتس” رئيس مؤسّسة هيريتج (Heritage Foundation) الّتي تُعد أبرز أذرع الفكر اليميني المقرّبة من إدارة ترامب وصاحبة “مشروع 2025”.
إنّ دعوة البنتاغون لتشكيل وتجهيز وحدات من الحرس الوطني في كُلّ ولاية أميركيّة، لتكون جاهزة بحلول جانفي القادم والمُتوقع أن تضمّ أكثر من 23 ألف جندي موزّعين في أنحاء البلاد، تأتي وسط مخاوف من تزايد التّوتّرات السّياسيّة والإجتماعيّة. بينما يرى البعض أنّها إجراء وقائي ويعتبرها آخرون مؤشّرا على إستعداد الحكومة لإستخدام القوّة العسكريّة داخليّا وربّما لأكثر من هذا.
إنّ الصّدام القائم حاليّا مع الهجرة وتغيير القوانين والرّكود الإقتصادي وإرتفاع أسعار المعيشة والجدل حول صلاحيّات الرّئيس وقرار المحكمة الدّستوريّة حول الضّرائب الجمركيّة وإلغاء قانون الصّحّة لأوباما كير والذّهاب إلى أقصى اليمين مع التّركيبة الهجينة للمجتمع الأمريكي، يجعل من هذه الملفّات الحارقة ورقة تحدّي كبيرة، ستفرض نفسها في الإنتخابات القادمة وبقوّة.
اما قطيعة الطبقة الوسطى للسّياسيّين المترهلين، وصل حدّه في سابقة هيّ الأولى من نوعها في أمريكا. فعدد من فريق ترامب إنتقل للسّكن في قواعد عسكريّة، وفقًا لتقرير نشرته مجلة “أتلانتيك”، مثل وزيري الخارجيّة “ماركو روبيو” والحرب “بيت هيغسيث”. بالإضافة إلى وزير الأمن الدّاخلي “كريستي نويم” ووزير الجيش “دانيال دريسكول” بالقرب من واشنطن لضمان سلامتهم بعد إغتيال تشارلي كيرك. وذكرت المجلّة أنّ هذه الخطوة إتّخذها ستّة مسؤولين على الأقلّ من إدارة ترامب.
في الطّبقة المجتمعيّة الجديدة، بات الأمر لا يتعلّق بإنشاء هياكل معارضة صوريّة، بقدر ما يتعلّق بتصحيح المسار وحقّ العيش الكريم لطبقة وسطى أصبحت مهمّشة. إنّ الأشخاص الّذين غيّروا توجّهاتهم لا يستهان بعددهم ولديهم قدرة على تمثيل موقف سياسي وازن. وسيتزايد عددهم، بينما يهتزّ الوضع الدّاخلي الأمريكي بأزماته. هذه الحشود الّتي كان يعتبرها ترامب فوضويّة، أصبحت أداةً خطيرةً في تحديد سياسة أمريكا. ومنها ستأتي القوى الحقيقيّة الّتي ستغيّر نمط السّلطة.
كان الإعتقاد السائد لدى سياسيّي أمريكا، أنّه من السّهل تحشيد هذه الجماهير بالإعلام والوعود الإنتخابيّة والشّعارات الشّعبوية. أمّا الآن، فقد فرطت عقدة الإعلام. ووعودهم الإنتخابيّة باتت لا تطعم الطّبقة المتوسّطة.
أجزم بالمعطيات المتوفّرة أنّ الكثير من الأمور ستتغيّر وأنّنا على أبواب طفرة غير طبيعيّة مع إنتشار كبير للذّكاء الإصطناعي وما سيخلّفه من أضرار على الطّبقة الوسطى. يكفي أن نعرف أنّ شركة أمازون وحدها تعمل لتسريح 600 ألف موظّف و”إيلون ماسك” يقوم بتحضير الرّأي العام للقبول بالإستغناء عن الذّكاء الطّبيعي لمرادفه الإصطناعي الّذي سيجتاح العالم وسيخلّف وراءه كوابيس ستدفع ثمنها اليد العاملة المقدرة بـ 340 مليون انسان سيفقد وظيفته في فترة لن تتجاوز الخمس سنوات.
من الأكيد أنّ أمريكا ما بعد إنتخاب زهران ووجود إلهان٬ لن تكون كما قبلها. أمّا أبو إيفانكا٬ فسيكشف عن يمينيّته العنصريّة. وسيعمل في المقابل٬ الحشد المجتمعي الهجين على تغيير مجريات المستقبل السّياسي لأمريكا.

