نادي الغولف: عنوان جديد للهدر – معن خليل

نادي الغولف: عنوان جديد للهدر – معن خليل



يجتمع مجلس الوزراء اليوم وفي جدول أعماله بندٌ «بريء» في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره دلالاتٍ عميقة على طبيعة الدولة ومنظومتها.
البند يتعلق بتجديد عقد إشغال نادي الغولف اللبناني لمدة سبع سنوات إضافية، بعد أن انتهى عقده في شباط 2025، وشغل منذ ذلك الحين مساحات الدولة من دون أي سند قانوني.

وفي بلدٍ يرزح تحت أثقال الانهيار المالي، وتبحث حكومته عن «إيرادات مفقودة»، يأتي هذا البند كجرس إنذار لكل من لا يزال يصدّق أن شعار «مكافحة الفساد واستعادة المال العام» لم يُدفن بعد في أدراج السياسة.
يشغل النادي 409 آلاف متر مربع في قلب العاصمة، لا يملك منها فعلياً سوى 72 ألف متر مربع فقط، أي أقل من خمسها، فيما بقية الأرض ملك للدولة اللبنانية، إلى جانب تعدّيات مثبتة على أملاك خاصة.

تاريخياً، كان بدل الإيجار الذي تدفعه إدارة النادي للدولة 1,000 ليرة لبنانية فقط. وبمتابعة من بلدية الغبيري، عُدّل الإيجار عام 2018 ليصبح تصاعدياً من 50 مليون ليرة إلى 250 مليوناً حتى عام 2025، أي ما يعادل اليوم نحو 2,500 دولار فقط. ومنذ عام 2022، توقفت وزارة الأشغال عن تحصيل هذه المبالغ لعدم جدواها، وامتنعت الدولة حتى عن قبض فتات الإيجارات الرمزية، فيما يستمر النادي بالإشغال بلا عقد وبلا دفع منذ شباط الماضي.

جلسة اليوم ستبحث تجديد العقد لسبع سنوات إضافية مقابل إيجار سنوي يبلغ 100 ألف دولار فقط، يزيد بنسبة 3% سنوياً. في دولة مفلسة، لا تملك ما تدفعه للمعلمين والأطباء، ولا ما تصرفه لإعمار الجنوب أو ترميم مدارسه، تريد الحكومة أن تتنازل مجدداً عن عقاراتها العامة بأثمان بخسة لأندية النخبة وطبقة الميسورين.

البدل العادل الطبيعي لإيجار عقار بهذه المواصفات، يُقدّر على الأقل بأربعة أضعاف ما تقترحه الدولة. فالنادي لا يقتصر على لعبة الغولف فقط، بل يستثمر في منشآت تجارية وخدماتية متعددة، من بينها ملاعب تنس، مسبح فاخر، مطاعم، حفلات ومناسبات خاصة، نوادٍ للأطفال، وأنشطة رياضية وترفيهية… كلها مدفوعة البدل وتُستوفى بالدولار من الزائرين والأعضاء.
وإلى ذلك، يتقاضى النادي اشتراكات سنوية مرتفعة بالدولار الفريش من مئات المنتسبين، ما يجعل حجم إيراداته السنوية يتجاوز بأضعاف مضاعفة قيمة الإيجار الذي ستتقاضاه الدولة.

بدلاً من تجديد امتيازٍ لصفوة قليلة من الأثرياء، ماذا لو خُصّصت هذه المساحة لبناء وحدات سكنية لذوي الدخل ومدعومة من مصرف الإسكان، أو للّبنانيين الذين شرّدتهم الحرب الإسرائيلية الأخيرة؟ أو إنشاء منطقة صناعية تزيل ورش الحدادة والميكانيك والصناعات من بين البيوت والزواريب في العاصمة وضواحيها؟

ألن يكون ذلك أكثر إنصافاً من ترك الأرض ملعباً مغلقاً أمام الناس، ومفتوحاً فقط لأصحاب النفوذ والاشتراكات بالدولار؟
وكان اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية طرح عام 2018 مبادرة متكاملة تقضي باقتطاع مساحة 50,000 متر مربع من أرض نادي الغولف لتحويلها إلى منتزه عام مفتوح أمام أهالي بيروت والضاحية، على غرار «حرش بيروت»، في منطقة يقطنها أكثر من مليون نسمة وتعاني من انعدام المساحات الخضراء. وتعهّد الاتحاد حينها بإدارة المنتزه وتشغيله على نفقته، مقابل بدل إيجار سنوي يصل إلى مليون دولار للدولة اللبنانية، لكن الاقتراح نُوِّم في الأدراج ولم يلقَ أي تجاوب.

اليوم، ومع طرح تجديد عقد نادي الغولف مجدداً، يصبح من الضروري إحياء هذا المشروع كأولوية بلدية ووطنية، ليس فقط لتأمين مساحة خضراء عامة مدفوعة الثمن، بل أيضاً لإثبات أن الدولة قادرة على التوفيق بين التنمية البيئية والعدالة الاجتماعية، بدلاً من احتكار المساحات العامة لخدمة النخبة.

مكاشفة الرأي العام بهذه التفاصيل ليست استهدافاً لأحد، بل دعوة صريحة للشفافية والمساءلة.
فبلدية الغبيري، وإن كانت في العامين الأخيرين قد استوفت جزءاً من مستحقاتها من النادي، إلا أن هذا التحصيل تم وفقاً للقيمة الإيجارية الواردة في العقد الموقع بين الدولة والنادي وبالليرة اللبنانية، استناداً إلى قرار شورى الدولة الذي ألزم البلدية باعتماد بدل الإيجار التعاقدي، لا القيمة الفعلية السوقية، وهو ما يُعدّ مخالفة صريحة لمبدأ العدالة المالية التي تفرض أن يتم التحصيل بناءً على محضر تخمين حقيقي يحدد القيمة الفعلية للإشغال.

مع ذلك، نجحت البلدية في بناء علاقة إيجابية مع رئاسة النادي، ولا تنكر ما قدّمه الأخير خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة من مساعدات تموينية وتجهيزات طبية دعماً لمركز الغبيري الطبي، لكنّ هذا لا يُلغي المبدأ الأساسي: المال العام أمانة، والدفاع عنه واجب وطني لا تحكمه المجاملات ولا المصالح الشخصية.

ومن هذا المنطلق، نكتب رأينا الخاص دفاعاً عن حق الدولة والبلديات في تحصيل عائدات أملاكها العامة بعدالة وشفافية.
وإذا أقرّ مجلس الوزراء تجديد عقد النادي بهذه الشروط الزهيدة، فليعلم اللبنانيون أن شعارات مكافحة الفساد والإصلاح ليست سوى واجهة زائفة، وأنّ المزرعة ما تزال تحكم الدولة. فمن غير المقبول أن يُترك اللبنانيون يتسوّلون حقهم في الطبابة والتعليم والسكن، بينما تُمنح أملاكهم العامة كامتيازات لنوادي الأثرياء. وعلى الوزراء اليوم إثبات أن الدولة لا تُدار من نادٍ، بل من مجلس وزراء.

* معن خليل رئيس بلدية الغبيري سابقاً.

نادي الغولف: عنوان جديد للهدر – معن خليل

مقالات ذات صله

اعلى الموقع