” فراشة الضاحية”
بقلم الكاتبة والاعلامية ندى بنجك

باسمه تعالى
… أين كنتِ يا هدى ؟
بحثنا عنك كثيراً في دروب الضاحية التي تعشقين. في المسيرة التي كنتِ تمشينها على مرمى جفونك الحارسة. هي المسيرة بنفسها سألت عنكِ بالأمسِ، أين كنتِ…
إفتقدتك كل المجالس التي تحبين.

في مجمع الإمام العسكري ع في الحدث، وفي مجمع سيد الشهـ داء في الرويس، وفي محفل الطفل الرضيع ، حفرنا بعيوننا كل الزوايا والممرات ، وانتظرناك تطلين بجفنك الكحلي ، والبسمة التي تفيض من روحك وتزهر في وجهك، تتمشّى وسط الحضور، فتؤنسه وتُجلسه… كما لو أنها تجلس كل الزمان في كل المكان… البسمة المفصّلة ترياقاً لروح الإنسان .
انتظرناك تقومين أو تقعدين، انتظرناك تجوبين أو تتلفتين ، انتظرناك في كل حركاتك وسكناتك، وخطواتك ، ونظراتك… انتظرناك بكل ما أنتِ ، أين كنتِ …
المواعيد لا تعهدك تغيبين . والمواقيت تجزم أنك على مدى زمانك لا تتأخرين… هل جئت قبلنا؟ هل غادرت بعدنا…؟
تقول القلوب: خلت المجمعات برغم حشودها ، وصمتت المجالس على وقع صدحها…
لم تحضر هدى عيسى في هذا الموسم … بكى البكاء.
ونحن نخالك ، ونرسمك، ونتنسمك …
ترى هل أخذتِ رسائلنا التي وضعناها لك مع كل صبيحة عزاء عند باب السماء …!
كان المصابُ مختلفاً في هذا العام يا هدى …
المصاب يفتقد مهندسة المصاب. وعدنا اليكِ ،يوم كنتِ كان الدمع بريقاً ، كان الحزن أنيقاً ، كان السواد مكتظاً بنصاعة السواد… كل شيء كان يتشكّل من خلال يديك، يأخذ معناه…
يا فراشة الضاحية…هكذا يطيب لي أن أسميكِ، منذ المساء الأول الذي شهد حسرة القلوب وهي تسلّم لفاجعة نومك ولا قيام…
مضت شهور وأنا أكتب لك… ومع شهور غيابك احتدمت مناسبات المسيرة ، ما بين نصر وجهاد، ومراسم الأربعين ربيعاً ، وعند كل جنح وجناح منها، كنت أحادث نفسي، بأن هذه المناسبة تتناسب مع فكرة الحديث عنك ، ثم المناسبة تسلّم الحديث للمناسبة التي بعدها ، حتى وجدتك تشبهين عاشوراء أكثر من أي مناسبة…!! خفضت رأسي، وامتشقت قلبي، وضعته في حضرة جمالك وأحزانك…
عساك الآن جاهزة للسلام ، وتصمتين إذ يحين الكلام ، فأنت عرّافة الصمت، ذوّاقة الإيجاز، بإيماءة تحترفين الإنجاز…
شأن العابرين خفافاً في مسارب الدنيا، ومضارب الواقفين على مرمى حب من بيت الله.
تشبهين عاشوراء أكثر من أي مناسبة… أليست عاشوراء في المحط الأول هي الرسالة …
قال أحبة من أهلك، بانك تربيت يتيمة ، ماتت أمك يا صغيرة ، فحللت بهمك ودورك أكبر من أي أم كبيرة . الحياة منعطفات، وأنت ارتديتها بكل مقاساتها الصغيرة والكبيرة، الناعمة والقاسية . احتضان الإخوة مسؤولية ضاربة في البال والوجدان، وتعويض شجرة الفقد عبادة…
من أتى على حملك وعلى همك سوى أنتِ . أنتِ في هذا العنوان ، أخجلتِ الحياة، وأشرقتِ أينما كنت ، كما لو أنك دائماً في حالة صلاة .
أليست عاشوراء هي الصدق وهي الحب وهي الأنس برضا الله ومسعى القرب…
حياتك العائلية الشخصية هي نهر في هذا العنوان، وهي شجرة وارفة في العطاء، وهي حضن منذور لتقديم السعادة على طبق من حب.
قال أحبابك في هذا المفصل ، أنتِ بدّلتِ وجه الوقت من شحوب الى بشارة في كل وقت. أنتِ بعثت في اليوميات الراكدة بهجة الأيام، ورويت اليباس وأخضرّ بكِ كل جدب…
أنتِ في حياتك العائلية الشخصية ، سكبت الحياة لكي شيء كان يعاني من ضمور الحياة.

اليست عاشوراء هي الماء في الصحراء ؟
أنت من أين بدأتِ ، كيف كبرتِ، وفي أي الدروب سلكتِ
يا ابنة حز ـ ب الله المقـ اوم من أول شمعة، من أول مجموعة وجَمعة، من أول تجمّع في صلاة جُمعة، من أول صيحة ، من أول ندبة، ومن أجمل خامة وخيط في قماش العباءة السودا …
اليست عاشوراء هي صوت الدم في وادي السقاء…
من يُخبرني عن سيرتك في مسيرتك… هذا سؤال يضيع بين ألف جواب وجواب، فإن الكل يحدث ولا يعرف من أين يبدأ وكيف ينتهي، وبين هذا وذاك، الكل يذهب عميقاً في دورك الجهادي الرسالي الإنساني، ولا يعرف كيف يختصر.
يا ابنة الهيئات المتميزة المُهابة… يا ابنة الساحات الخفاقة . يا ابنة النظرة التي لا تنفصل عن الرصاص والجعبة والجهاز والراية في كل جبهة… من يعرفك ليس له سوى أن يرسمك إبنة الريادة، شأن القا دة ، تنشرين الخرائط التي تتناغم مع لغة يديك. خرائطك أنت كثيرة الألوان ، مكتظة بالصدق والانتماء، كل شرح فيها يبدأ من شغف قلبك بحكايات تمنح القيمة للمناسبة، والحفل، والفكرة، ولا تنتهي إلا بإشراقة بعد اكتمال البذل، وِصَالها نصـ ر، وأصلها قرآن .

اليست عاشوراء هي الصبر والتسليم والمواجهة…
لا يحتاج الأمر الى حكايات كثيرة، ولا شواهد تشهد عليكِ وتشير إليكِ … ألم يُصبك المرض اللعين ليسحبك من الساحات ، ويُنزلك منزلة المتأففين…
لا يحتاج الأمر الى مشاهدات… بعض العابرين يحتاجون الى ضفة خاصة للوصول الجميل، وبعض المجاهـ دين يتوّجهم الله بشهـ ادة ، دون دم في المعر كة أو رصا ص .
وأنت في هذه اللوحة ، وضعت فوق سرير روحك، جملة كانت تذرّ عليكِ بالمكرمات ليلة بعد ليلة …” ما رأيت إلا جميلا”

في الطريق الى عُمرك، لم أجد الا دربك . في الطريق الى دربك لم أجد الا قلبك. وفي الطريق الى قلبك لم أجد الا ولهاً يربط الشمس بالأفياء، وصُرر الأقوال بالأفعال، تضعينها كل مساء صدقة سرّ بين يدي الله كل مساء.
في الطريق الى الأسماء التي عشتِ معها وعاشت معك ، وجدت الحديث مرايا، يطال القلب من كل ناحية. والشوق شظايا،عالقة في الشرايين وقعرالخلايا . وجدت الدمع أسرار ، كلما حاولتُ أن أتسلل إليه، لأنْسُل منه ، يأتيني بمزيد من أغوار.
وفي الأغوار أنوار ، ارتَديتِها وارتدتْكِ مسلكاً كان لك عمراً مفتوحاً على الريح من كل الجهات… وكنت فيه خيمة واقفة ، بل جبهة عصّبتِها بيديكِ ، بهيهاتْ …
أرحلُ مع الوجوه التي سألتُها عنكِ. وجدتُّ في كل وجه مكان، استراح وجهُك فيه . وصار الحديث يشبه تذكرة سفر، يذهب اليك ولا يريد العودة منك .

أنين مكتظ في وجه الحاجة “خديجة سلوم” ، بحجم شريط العمر الذي تقاسمتماه معاً. عمر انجدلت فيه الضحكة بالدمعة، والهمة بالهدأة..
تسلّمتك رفيقة وشريكة في العمل فجرى بينكما النغم من زهرة الصبا ، وحتى الغمضة الأخيرة.
أقول لها حدثيني عن هدى… وفي البال أن الحديث يُحكى ، لكن وجدت في عينيها، كيف أن الحديث يُرى ، بدت الحكايات خميلة لأميرة في هودج، ثم لفدائية تخوض الغبار والنار والحصار في المعركة. ثم تصبح جداً مُبكية ، تشبه اللحظة الأولى التي تلامس فيها الكف شباك الضريح في سرداب الحجة في سامراء ،والامام الحسين وابي الفضل العباس في كربلا…

حسرة تتفلت من وجه الحاجة “عبير الحولي”… مثل أمنية مقفلة، غيرقابلة للتحقق ، يبدأ صوت الحزن مع الصورة الأولى لهدى الشعلة ، في العمل وفي كل منحى وناحية والى ظهيرة الصورة الأخيرة، حينما أصرت على المجيء الى مبنى الهيئات برغم وجعها، لكي ترمم إحساس الوحشة، مثل مسافر أيقن برحلة الغياب القريب…الى التلويحة الأخيرة الهاربة من زجاج السيارة في الطريق .
… وألقاها ، ثم في كل تقاطيع وجهها، أراها…ما الذي أودَعته في قلبك يا حاجة “فاطمة زيعور” حتى تسكنك من الرمشة الى بحة الصوت الى هذا الحنين الموغل في العمق كم يعتريك في الظاهر والباطن.
أنت ايتها السيدة التي لبست في وجهها تاريخاً وفي صوتها صلاة شهـ يد وجعبة مملوءة بالرصا ص، وبين ضفتي جفنيها ، تحط مئذنة للصمت مهيبة… ما الذي أودعته في قلبك هدى، حتى صار النفَس عنها مشحوناً بهذا الكثير الجميل .
” ليس منا إلا وتشعر أن هدى لها… هي رفيقتها وحدها … كل واحدة منا كانت تشعر أنها الأقرب اليها… بذاك الفريد من الحب الذي إمتلكته هي، استطاعت أن تجعل كل واحدة منا هي الأحب…” .
تُحدث عنها، وتشعر أن العمر لا يتسع لما تريد أن تحكي…
حزن في الكلمة ، وحزن في النغمة، وحزن في البسمة… ووسط الحزن تزهر الذاكرة عن هدى ولا تنطوي.

لست أدري مع الحاجة خديجة الزين ، الى اين سنمضي…
وهل تُكتب الخفقة…؟! وهل يُرسم الاحساس لأغلى الناس…؟!
وددتُ لو آتي بشال يبكي حين يلتقط تلك الدموع الحائرة. أو أحبس العمر في كوب شاي ، كان يختال كلما أطل النهار، وهو يعلم أن موعده بين صديقتين لا شيء أطيب منه ، وفي كل الظروف لا يتغير.
لم يعد من الصباحات إلا عطر ينتظر ، وأغراض على مرمى النظر، تخبر عن هدى الطفلة إذا حلّت الضحكة، والزيتونة ، اذا قاربت همّ المسيرة .
وفي العادة أن الحكايات والذكريات تروى بالكلام ، لكن الأمر مع الحاجة “هدايا سنان” لا يشبه المألوف. حزمت لي قصة الأنس الكبير والرفقة الجميلة، في ظرف ليس من ورق، لقد تولى حياكته الزمان ، على شاكلة روح إنسان، تبيت في جسدين… تنام على متى نلتقى، وتستفيق على أين…
وظل المكان يراود شغبهما، وجديتهما معا…وكلما أرات الصداقة عقد فكرة جديدة في البيت أو في العمل، كان الزمان يشق لهما درباً ، كان أوله خطوة ، وآخره ضريح، وزّع الضحكات عن بعضها، وكتب بالجمر : ستطول يا صديقتي من بعدي أيام الغصة…

باب قلبي مفتوح على الشكر والودّ، لكل وجه التقيته، ولكل حكاية سجّلتها وأنا أعلم جداً أنني لم أفرد منها سوى أول رفة في القلب، والباقي الغزير محفوظ لمساحات تالية وساحات لن تملّ من الحنين لعيني هدى العابرة . ولكل صديقاتها اللواتي لم ألتقِ بهن ، رحلة الكتابة عنها تسجّل الآن أول حروفها، وسنقول للغياب معاً: سنروي حكايتك يا هدى بملء الحب على مدى الدرب…

يا هدى… العطر يروي سيرته بعد أن ينضج الورد، هذه نغمتي لكِ .
والغياب ما وُجد يوماً للذين كشفوا سرّ الحضور، هذا توصيفي عنكِ.
إني أحبك جداً ، وأحتفظ بالكثير من اللقاءات والعبارات والبسمات والنظرات ومسحة اليد الطرية علي يدي… وأجلّ العمر الذي كان لكِ ، وأعدو حافية خلف جملة واحدة ، تصف جها دك وختامك الربانيّ…والذي يوثق لك ختامك كما بدايتك، كم أنك “تشبهين عاشوراء أكثر من أي مناسبة”…
كنتِ قد أُنهكتِ تماماً من الكلام في الساعات الأخيرة، وأنين جسدك وهو يرجو الراحة ، والتفت من حولك أسوار الدموع ، وظنوا أنك ستغادرين بلا كلام … في لحظة العبور الأخير، صفعتِ الموت على قلبه ، وقلت بابتسامة في عينيكِ :
” يا زينب”…


\ 7 آب- 2022\ عاشوراء 1444\
والله ولي التوفيق

مقالات ذات صله